حوادث

الجزائر في مهب الانفجارات.. “المرادية” تستقبل البابا بالدماء وتردّ بجحيم القمع في البليدة: حصار عسكري للمدنيين، وعواصم العالم تأمر رعاياها بالمغادرة الفورية

في لحظة كان يُراد لها أن تُقدَّم كعنوان للانفتاح والطمأنينة، وجدت الجزائر نفسها على وقع صدمة مزدوجة: عملية إرهابية في البليدة، وتداعيات دبلوماسية متسارعة تزامنت مع اليوم الأول من زيارة البابا ليون الرابع عشر. تزامن ثقيل في رمزيته، أعاد خلط الأوراق، وطرح أسئلة حقيقية حول جاهزية المنظومة الأمنية، وقدرة الدولة على التحكم في صورة تقدمها للعالم.

اختراق أمني في توقيت “محروس”

ما حدث في البليدة لا يمكن قراءته كحادث معزول. فالوصول إلى محيط منشأة أمنية، وفي توقيت يُفترض أنه يعرف أعلى درجات التأهب بسبب زيارة دولية رفيعة، يكشف عن خلل يتجاوز التنفيذ إلى مستوى الاستباق والتنسيق الاستخباراتي.

في أدبيات الأمن، تعتبر مثل هذه العمليات “اختبارات قاسية” للجاهزية، لأنها لا تستهدف فقط إحداث خسائر، بل تسعى إلى توجيه رسالة رمزية: إمكانية الوصول، رغم الحراسة المشددة. وهو ما يجعل وقعها مضاعفاً، داخلياً وخارجياً.

تزامن يربك الرسائل

اختيار هذا التوقيت يطرح أكثر من فرضية. فالتنظيمات التي تعتمد أسلوب العمليات الانتحارية تدرك جيداً قيمة اللحظة السياسية والدبلوماسية، وتسعى إلى استغلالها لتحقيق أقصى أثر إعلامي.

وجود البابا ليون الرابع عشر في الجزائر في نفس اليوم حوّل الحدث من مجرد عملية أمنية إلى مؤشر دولي، لأن أي اضطراب في هذا السياق يُقرأ فوراً في العواصم الأجنبية كإشارة على هشاشة محتملة، أو على الأقل كتحذير يستدعي إعادة التقييم.

قلق دبلوماسي… وإجراءات احترازية

في أعقاب التفجيرات، سادت حالة من الحذر داخل الأوساط الدبلوماسية. وتحدثت معطيات متداولة عن قيام بعض السفارات بمراجعة بروتوكولات السلامة الخاصة برعاياها، مع توجيه نصائح بتفادي التنقلات غير الضرورية في بعض المناطق.

مثل هذه الإجراءات ليست استثنائية في السياقات الأمنية المتوترة، لكنها تعكس مستوى القلق القائم، خاصة عندما يتعلق الأمر بعمليات انتحارية قريبة من العاصمة. كما أن تفضيل بعض الرعايا الأجانب تقليص إقامتهم أو المغادرة بشكل احترازي يندرج ضمن منطق “الوقاية أولاً” الذي تعتمده الدول في مثل هذه الظروف.

زيارة تحت المجهر

الزيارة التي كان يُراد لها أن تعكس صورة الانفتاح، وجدت نفسها فجأة تحت ضغط أمني وإعلامي. ورغم عدم صدور أي إعلان رسمي بشأن تعديل برنامجها، فإن طبيعة الأحداث جعلت كل السيناريوهات مطروحة للنقاش داخل الكواليس.

في مثل هذه الحالات، لا تُقاس الأمور فقط بالقرارات المعلنة، بل أيضاً بحجم التقييمات التي تجري في الخفاء، حيث تصبح كل حركة محسوبة، وكل نشاط خاضعاً لمعادلة الأمن والمخاطر.

صورة الدولة… بين العرض والواقع

التحدي الأكبر الذي أفرزته هذه التطورات لا يتعلق فقط باحتواء الحادث، بل بالحفاظ على صورة الدولة في الخارج. فالجزائر كانت تسعى إلى تقديم نفسها كفضاء مستقر وقادر على احتضان أحداث دولية، غير أن التفجيرات أدخلت هذه الصورة في منطقة اختبار.

في العلاقات الدولية، الصورة لا تُبنى فقط عبر الخطاب، بل عبر الوقائع. وعندما تتناقض الرسالتان، تصبح مهمة استعادة الثقة أكثر تعقيداً.

البعد الاجتماعي… جذور أعمق من الحدث

غير أن القراءة الأعمق لما جرى لا تكتمل دون استحضار البعد الاجتماعي. فالتحديات الأمنية في كثير من الأحيان تكون انعكاساً لاختلالات أوسع، تتعلق بالوضع المعيشي والاحتقان الاجتماعي.

في هذا السياق، يشير عدد من المتابعين إلى أن الضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، تساهم في خلق بيئة مشحونة، قد تستغلها بعض التنظيمات أو الأطراف المتطرفة لتغذية خطابها واستقطاب عناصر جديدة.

كما أن النقاش حول الحريات والمشاركة السياسية، الذي برز بقوة منذ حراك 2019، لا يزال حاضراً في خلفية المشهد، ما يجعل أي توتر أمني مرتبطاً – بشكل أو بآخر – بحالة عامة من عدم الرضا لدى فئات من المجتمع.

الإعلام في قلب الأزمة

زاد من تعقيد الوضع غياب رواية إعلامية واضحة وسريعة، ما فتح المجال أمام سيل من التأويلات. في زمن الإعلام الرقمي، لم يعد التعتيم خياراً فعالاً، بل قد يتحول إلى عامل يفاقم القلق، سواء لدى الرأي العام أو لدى الشركاء الدوليين.

إدارة الأزمات الحديثة تقوم على الشفافية المدروسة، التي تقدم الحد الأدنى من المعطيات المؤكدة، وتمنع الفراغ الذي تُملؤه الإشاعات.

نحو أي اتجاه؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بما وقع، بل بما قد يليه. فالهجمات الانتحارية غالباً ما تُقرأ كإشارات أولى، ما يجعل أي تطور لاحق محاطاً بهواجس التصعيد.

في المقابل، تبقى هناك إمكانية لاحتواء سريع يعيد الأمور إلى طبيعتها، خاصة إذا ما تم التعامل مع الحدث بفعالية أمنية وتواصلية.

تفجيرات البليدة لم تكن مجرد حادث أمني، بل لحظة كاشفة وضعت الجزائر أمام اختبار حقيقي: اختبار الجاهزية الأمنية، واختبار إدارة الصورة الدولية، واختبار القدرة على طمأنة الداخل والخارج في آن واحد.

وبين حدث أمني مفاجئ وزيارة دبلوماسية حساسة، برزت مفارقة واضحة: واقع ميداني يفرض نفسه، وصورة رسمية تحاول الصمود. وفي هذا التوتر بين الاثنين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة.

 وعلى وقع الانفجارات التي هزت مدينة البليدة، كشر نظام المرادية عن أنيابه القمعية كعادته، مفضلاً الهروب إلى الأمام عبر شن حملة اعتقالات مسعورة طالت العشرات من المواطنين الأبرياء، في محاولة بائسة لصناعة “انتصار وهمي” يغطي على خيبته الأمنية. وبدلاً من ملاحقة الرؤوس المدبرة التي تخترق أجهزته، قرر الجيش تطويق مدينة البليدة بالكامل، محولاً إياها إلى “ثكنة مغلقة” وسجن كبير تحت الهواء الطلق؛ حيث انتشرت المدرعات في المداخل والمخارج، وتمت مداهمة البيوت وترهيب العائلات وسط أجواء من الرعب والهلع. هذا الوضع المحقن يعكس حالة الذعر التي تعيشها الطغمة الحاكمة، التي باتت ترى في كل مواطن أعزل عدواً محتملاً، لتؤكد للعالم أن خيارها الوحيد هو “عسكرة المجتمع” وإخراس الأصوات، بينما تغرق البلاد في فوضى أمنية وانسداد سياسي يوشك أن يأتي على الأخضر واليابس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى