قضايا

افتحاص مالي يكشف اختلالات خطيرة في الصفقات العمومية.. تضخيم في الأسعار وشبهات تحايل على قواعد المنافسة

تشهد عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية بالمغرب حركية غير مسبوقة على مستوى المراقبة المالية، بعدما باشرت عناصر المفتشية العامة للمالية عمليات افتحاص دقيقة شملت عينة من 11 مؤسسة وملحقاتها، في سياق توجه متصاعد نحو تشديد الرقابة على تدبير المال العام، حيث كشفت المعطيات الأولية عن اختلالات مقلقة في تدبير الصفقات العمومية، تمثلت أساساً في تسجيل تفاوتات صارخة بين الأثمان المعتمدة في عدد من الصفقات ونظيراتها في السوق، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة آليات المراقبة الداخلية وشفافية مساطر الإبرام.

وتفيد مصادر متطابقة أن عملية التدقيق في وثائق الصفقات وسندات الطلب أظهرت حالات مبالغة لافتة في كلفة تجهيزات وخدمات، بلغت في بعض الأحيان ضعف الأسعار المتداولة، وهو ما يعزز فرضية وجود ممارسات غير سليمة داخل بعض أقسام المشتريات، خاصة في ظل تكرار نفس الأنماط من التوريد واللجوء المتواتر إلى مساطر استثنائية، كالعروض التفاوضية أو الطلبات المباشرة، التي يُفترض أن تظل محدودة ومؤطرة بشروط دقيقة، غير أنها تحولت، بحسب المعطيات المتوفرة، إلى مدخل محتمل للالتفاف على مبدأ المنافسة وتكافؤ الفرص.

ويبرز من خلال نتائج الافتحاص أن جزءاً مهماً من هذه الاختلالات يرتبط بالاستعمال المفرط لسندات الطلب، التي يحدد سقفها القانوني في 500 ألف درهم، حيث لجأ بعض المسؤولين إلى تقسيم صفقات كبرى إلى أشطر صغيرة لتفادي المرور عبر مساطر طلبات العروض، وهو ما مكن شركات بعينها من الظفر بصفقات متكررة، خاصة في مجالات التوريدات اليومية كالمواد المكتبية وخدمات الصيانة والنظافة، إذ تم رصد حالات تجاوزت فيها القيمة الإجمالية للطلبات المجزأة 1.3 مليون درهم، في خرق واضح لروح النص القانوني الذي يهدف أساساً إلى تبسيط المساطر لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وليس إلى التحايل عليها.

وفي هذا السياق، سبق لـ المجلس الأعلى للحسابات أن نبه، في مذكرات رقابية سابقة، إلى مخاطر الانحراف في استعمال سندات الطلب، مسجلاً غياب منافسة حقيقية في عدد من الصفقات بسبب ضعف أنظمة المراقبة الداخلية، حيث تم الوقوف على حالات إسناد متكرر للطلبات إلى نفس المتعهدين، رغم وجود عروض ظاهرية من منافسين آخرين، تبين لاحقاً أنها مجرد عروض صورية أو شكلية لا تعكس تنافساً فعلياً، وهو ما يقوض أحد أهم مبادئ تدبير المال العام، المتمثل في الشفافية وتحقيق أفضل جودة بأقل تكلفة.

كما كشفت عمليات التفتيش عن اختلالات ميدانية لا تقل خطورة، تمثلت في غياب لجان مختصة لتتبع تنفيذ الصفقات والتأكد من مطابقة الخدمات لدفاتر التحملات، إضافة إلى تسجيل أشغال لم تُنجز وفق المواصفات المتفق عليها، في مقابل صرف مستحقات مالية كاملة، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين المراقبة الوثائقية والمراقبة الميدانية، التي تم تفعيلها لاحقاً في خمس مؤسسات بعد الاشتباه في وجود تلاعبات، لتؤكد بدورها وجود حرمان فعلي لخزينة الدولة من الاستفادة من أفضل العروض المتاحة في السوق.

وتشير المعطيات ذاتها إلى أن تقارير المفتشية لم تخلُ من إشارات ضمنية إلى وجود علاقات مشبوهة بين بعض مسؤولي المؤسسات العمومية ومقاولات مستفيدة من هذه الصفقات، وهو ما يفتح الباب أمام فرضيات تضارب المصالح واستغلال النفوذ، خاصة في ظل تكرار الاستفادة من نفس الصفقات من طرف فاعلين اقتصاديين بعينهم، في غياب منافسة حقيقية، الأمر الذي قد يرقى، في حال تأكيده، إلى مساءلات قانونية وإدارية ثقيلة.

وتأتي هذه العمليات في إطار دينامية أوسع لتعزيز حكامة المالية العمومية، حيث يرتقب أن تشمل مهام الافتحاص مؤسسات إضافية خلال الأشهر المقبلة، في أفق تعميم المراقبة وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي خطوة يرى فيها متتبعون مؤشراً إيجابياً على إرادة إصلاحية، لكنها في الآن ذاته تكشف عمق الاختلالات التي لا تزال تنخر منظومة الصفقات العمومية، ما يستدعي إصلاحاً هيكلياً يتجاوز المعالجة الظرفية نحو بناء منظومة رقابية أكثر صرامة ونجاعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى