سياسة

الصحراء المغربية.. المغرب يطوي صفحة التدبير التقليدي للنزاع ويكرس تحولا دوليا في اتجاه الحكم الذاتي

لم تكن جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 محطة عادية في المسار الأممي لقضية الصحراء المغربية، بل كشفت عن تحولات عميقة في مواقف القوى الدولية وطبيعة النقاش داخل المؤسسة الأممية، بعدما حظي المشروع الأمريكي الداعي إلى إعادة صياغة مقاربة معالجة النزاع بتأييد أحد عشر عضواً، بينهم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، دون أن يتمكن المجلس من اعتماد قرار جديد يمدد ولاية بعثة المينورسو.

وبينما انشغل النقاش داخل أروقة الأمم المتحدة بتفاصيل التصويت ومصير البعثة، برزت حقيقة سياسية أكثر أهمية بالنسبة إلى المغرب: مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أصبحت في قلب المقاربة التي تدافع عنها قوى دولية مؤثرة، ولم يعد ممكناً التعامل مع النزاع بالآليات نفسها التي ظلت تحكمه منذ سنة 1991.

لقد أظهر المغرب، من خلال تحركه الدبلوماسي وموقفه الرسمي الذي عبّر عنه بلاغ الديوان الملكي، أنه لم يعد ينظر إلى انتهاء ولاية المينورسو باعتباره مجرد استحقاق تقني، بل باعتباره مناسبة لإعادة طرح السؤال الجوهري حول جدوى استمرار نموذج أممي لم يتمكن، بعد خمسة وثلاثين عاماً، من الوصول إلى تسوية نهائية. ومن هنا جاءت الرسالة المغربية واضحة: الانتقال من تدبير النزاع إلى معالجة أسبابه ومحدداته، على أساس مبادرة الحكم الذاتي واحترام السيادة والوحدة الترابية للمملكة.

من أزمة 2016 إلى منعطف 2026.. المغرب يفرض احترام ثوابته

لا يمكن فهم الموقف المغربي الحالي دون العودة إلى محطات المواجهة التي طبعت علاقته بالأمم المتحدة خلال السنوات الماضية. ففي سنة 2016، دخلت الرباط في أزمة دبلوماسية حادة مع الأمين العام الأسبق بان كي مون، عقب تصريحاته خلال زيارته للمنطقة واستعماله وصف «الاحتلال»، وهو ما اعتبره المغرب خروجاً عن مقتضيات الحياد المفترض في المسؤول الأممي الأول.

وأفضت الأزمة إلى مغادرة عدد من موظفي المكون المدني للمينورسو، في خطوة عكست رفض المملكة لأي انحراف عن الاختصاصات المحددة للبعثة أو توظيفها بما يمس ثوابتها الوطنية. كما أعادت تلك المرحلة إلى الواجهة محاولات توسيع مهام المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، وهي محاولات لم تتحول إلى اختصاص معتمد للبعثة.

لقد كانت رسالة المغرب آنذاك أن التعاون مع الأمم المتحدة لا يعني القبول بتجاوز الاختصاصات أو المساس بالسيادة الوطنية. وبعد عشر سنوات، يعود النقاش حول مستقبل البعثة بصورة أكثر عمقاً، لكن في سياق دولي مختلف، أصبحت فيه مبادرة الحكم الذاتي حاضرة بقوة في لغة عدد من العواصم المؤثرة، وانتقل فيها النقاش من مجرد تمديد ولاية البعثة إلى البحث في طبيعة مهامها وجدوى استمرار صيغتها التقليدية.

مشروع أمريكي يعكس تحولا في لغة مجلس الأمن

كان المشروع الأمريكي محور جلسة نيويورك، ليس فقط لأنه اقترح تمديد ولاية المينورسو إلى غاية أكتوبر 2027، بل لأنه تضمن تصوراً لإعادة هيكلة البعثة وتغيير اسمها وطبيعة مهامها، مع تقليص المكون العسكري والانتقال المقترح نحو صيغة سياسية.

والأهم سياسياً أن المشروع جعل الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات، ووصفه بأنه الإطار الأكثر قابلية للتطبيق من أجل الوصول إلى تسوية. كما تضمن مقتضيات تتعلق بتسجيل سكان مخيمات تندوف من طرف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وفق المعايير الدولية ودون تدخل، بما يسمح بتوفير معطيات دقيقة حول الأوضاع الإنسانية والحلول الدائمة الممكنة.

وهنا تبرز أهمية هذا التحول؛ فالمشروع لم يكتف بتكرار الصيغ التقليدية، بل طرح إعادة النظر في وظيفة البعثة وفي الأساس السياسي للعملية التفاوضية. كما أعاد إلى الواجهة أسئلة ظلت معلقة لسنوات، من قبيل مدى واقعية الاستمرار في الحديث عن استفتاء لم تتمكن الأمم المتحدة من تنظيمه، وضرورة توفير معطيات إنسانية دقيقة حول سكان مخيمات تندوف.

ورغم أن المشروع لم يتحول إلى قرار معتمد، فإن مضمونه يكشف عن توجه أمريكي واضح نحو إعادة صياغة المقاربة الأممية، وعن حضور الحكم الذاتي المغربي في صلب التصور المطروح لمعالجة النزاع.

أحد عشر صوتاً.. خريطة دولية تؤكد اتساع دائرة التأييد

حصل المشروع الأمريكي على تأييد أحد عشر عضواً من أصل خمسة عشر، وهي حصيلة ذات دلالة بالنظر إلى تنوع الدول التي أيدته. فقد ضمت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والبحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والدنمارك واليونان ولاتفيا وليبيريا وبنما.

وتكتسب مواقف الدول الثلاث دائمة العضوية، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، أهمية خاصة بالنظر إلى وزنها داخل مجلس الأمن وتأثيرها في صياغة التوجهات الدولية. فالولايات المتحدة اعترفت بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020، وفرنسا أعلنت دعمها الصريح للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فيما اعتبرت بريطانيا المبادرة المغربية الأساس الأكثر مصداقية وواقعية وقابلية للتطبيق من أجل تسوية دائمة.

وعلى المستوى العربي، برز موقف البحرين، التي تدعم الوحدة الترابية للمملكة وافتتحت قنصلية عامة بمدينة العيون، في ترجمة عملية لموقفها الدبلوماسي.

أما إفريقيا، فقد حضرت من خلال جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا، وهما دولتان أعلنتا دعمهما للسيادة المغربية، كما افتتحتا قنصليتين في الأقاليم الجنوبية، بما يعكس انتقال المساندة من التصريحات السياسية إلى الحضور الدبلوماسي المؤسساتي.

وفي أمريكا اللاتينية، برز موقف كولومبيا بعد التحول الذي عرفته سياستها تجاه الملف سنة 2026، عقب سحب اعترافها بما يسمى الجمهورية الصحراوية. كما صوتت بنما لصالح المشروع، وهي دولة علقت علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الانفصالي سنة 2024، فيما يندرج الموقف اليوناني والدنماركي ضمن دعم المبادرة المغربية باعتبارها أرضية جدية للتسوية. أما لاتفيا، فقد أيدت المشروع دون أن يعني ذلك إعلان اعتراف ثنائي بالسيادة المغربية.

وتكشف هذه الخريطة عن اتساع جغرافي للتأييد، لا يقتصر على الحلفاء التقليديين للمملكة، بل يمتد إلى فضاءات دولية متعددة. ومع ذلك، فإن التصويت لصالح المشروع لا يعني بالضرورة أن جميع الدول تتبنى الدرجة نفسها من الاعتراف بالسيادة المغربية؛ فهناك فرق بين الاعتراف الصريح، ودعم الحكم الذاتي، وتأييد نص أممي يضع المبادرة المغربية في قلب المفاوضات.

المينورسو أمام سؤال الجدوى بعد خمسة وثلاثين عاماً

تأسست بعثة المينورسو سنة 1991 في سياق خطة التسوية ووقف إطلاق النار، وكان من بين أهدافها التحضير لاستفتاء لم يتم تنظيمه بسبب الخلافات المستمرة حول تحديد الهيئة الناخبة وشروط إجراء العملية.

ومع مرور العقود، استمر وجود البعثة دون أن يتحقق الهدف السياسي النهائي، وأصبحت مهمتها مرتبطة أساساً بمراقبة وقف إطلاق النار والاضطلاع بمهام ميدانية واتصالات مرتبطة بخفض التصعيد.

وقد أعاد مشروع القرار الأمريكي فتح النقاش بشأن هذه الصيغة، مقترحاً تغيير اسم البعثة وطبيعة عملها، بما يعكس الانتقال من المقاربة المرتبطة بالاستفتاء إلى مقاربة سياسية تتمحور حول التفاوض على أساس الحكم الذاتي.

أما عدم اعتماد أي من مشروعي القرار الأمريكي والروسي، فقد أدى إلى انتهاء الولاية دون تمديد جديد. وهذه واقعة مؤسساتية مهمة، لكنها لا تعني أن مجلس الأمن أصدر قراراً بحل البعثة أو سحب الملف تلقائياً من جدول أعماله. فهذه مسائل تحتاج إلى ترتيبات ومواقف أممية لاحقة.

غير أن الدلالة السياسية الأوسع تتمثل في أن الصيغة السابقة لم تتمكن من تأمين توافق جديد حول استمرارها، وأن النقاش حول مستقبلها أصبح مفتوحاً على مراجعة جوهرية.

الجزائر.. خطاب تقرير المصير أمام أسئلة المسؤولية والتسجيل

من أبرز مشاهد الجلسة تدخل الممثل الدائم للجزائر عمار بن جامع، رغم أن بلاده لم تكن عضواً في مجلس الأمن خلال سنة 2026، حيث شارك في النقاش باعتبارها دولة معنية بالملف ودولة مجاورة تستضيف مخيمات اللاجئين، دون أن يكون لها حق التصويت.

وقد دافعت الجزائر عن مواقفها التقليدية، وانتقدت المشروع الأمريكي، وتمسكت بخطاب تقرير المصير، كما شكرت روسيا على مشروعها البديل. غير أن هذه المداخلة أعادت إلى الواجهة إشكالية موقع الجزائر في النزاع، بالنظر إلى دورها السياسي والدبلوماسي في دعم البوليساريو واحتضان مخيمات تندوف.

وقد ظل المغرب يؤكد أن الجزائر طرف أساسي في النزاع، بينما تصر الجزائر على تقديم نفسها باعتبارها دولة مجاورة غير طرف فيه. وهذا الاختلاف في توصيف المسؤولية يظل من أبرز العوائق أمام بناء مسار تفاوضي واضح.

كما أعاد المشروع الأمريكي طرح مسألة تسجيل سكان مخيمات تندوف، وهي قضية إنسانية لا ينبغي أن تبقى رهينة التجاذبات السياسية. فإجراء إحصاء مستقل من طرف المفوضية المختصة من شأنه أن يوفر معطيات دقيقة حول عدد المقيمين واحتياجاتهم، ويساعد على ضمان الحماية الإنسانية وتحديد الحلول الدائمة.

وقد ركز السفير المغربي عمر هلال، في رده على المداخلة الجزائرية، على ضرورة التعامل مع هذه القضايا بجدية، وعلى التناقض بين التمسك بخطاب تقرير المصير ورفض توفير المعطيات الإحصائية الدقيقة التي يفترض أن تكون أساساً لأي نقاش جدي حول السكان المعنيين.

بلاغ الديوان الملكي.. إعلان مغربي واضح بشأن المرحلة المقبلة

جاء بلاغ الديوان الملكي ليمنح التطورات الأممية معناها السياسي من منظور المملكة، معتبراً أن عدم تمديد ولاية المينورسو يمثل تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.

وربط البلاغ هذا التطور بتخليد الذكرى الأولى لعيد الوحدة الذي أقره صاحب الجلالة الملك محمد السادس، باعتباره مناسبة ترمز إلى القطيعة مع منطق تدبير النزاع بصيغته السابقة، والانتقال إلى مقاربة تقوم على تغيير محدداته بصورة عميقة.

كما أكد البلاغ أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، بطواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة، معتبراً أن عدم التجديد ينبغي أن يضع حداً لإحالة الملف على مجلس الأمن، وللاجتماعات الدورية والتقارير والإحاطات المرتبطة بالمسار السابق.

إن الرسالة المغربية هنا تتجاوز مجرد تسجيل عدم التمديد؛ فالرباط لا تريد أن يتحول انتهاء الولاية إلى توقف مؤقت يعقبه تجديد تقني يعيد إنتاج المنطق نفسه. إنها تدعو إلى إنهاء مرحلة ظلت فيها القضية تدور داخل آليات أممية لم تتمكن من تحقيق التسوية، رغم مرور خمسة وثلاثين عاماً.

وأكد البلاغ، في المقابل، تمسك المغرب بوقف إطلاق النار واحترام سلامة أراضيه وأمنه الوطني وطمأنينة مواطنيه، وهي رسالة تجمع بين وضوح الموقف السيادي والالتزام بالاستقرار الإقليمي.

الحكم الذاتي.. ثمرة تراكم دبلوماسي مغربي

لا يمكن فصل التطورات الأخيرة عن القرار الأممي 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف.

كما شهدت سنة 2026 لقاءات واتصالات في مدريد وواشنطن بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، في محاولة لإعادة تحريك المسار السياسي بعد سنوات من الجمود. وقد عكست هذه اللقاءات توجهاً نحو العودة إلى التفاوض على أرضية أكثر وضوحاً، بعدما ظل الخلاف حول طبيعة الحل يعرقل أي تقدم ملموس.

ويشير بلاغ الديوان الملكي إلى أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة يدعمون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة. وهذا المعطى، إلى جانب المواقف التي عبرت عنها الدول خلال الجلسة، يبرز حجم التحول الذي عرفته مكانة المبادرة المغربية في النقاش الدولي.

لقد نجحت الدبلوماسية المغربية في جعل الحكم الذاتي حاضراً في صلب النقاش الأممي، وفي توسيع دائرة الدول التي تعتبره أرضية جدية وواقعية للتسوية. ولم يعد النقاش الدولي محصوراً في تكرار الصيغ السابقة، بل أصبح يتناول بصورة مباشرة طبيعة الحل السياسي الممكن وشروط الانتقال إليه.

المغرب يربح معركة تثبيت المرجعية.. والمرحلة المقبلة للدبلوماسية

تكشف حصيلة جلسة نيويورك عن مجموعة من النتائج التي ينبغي قراءتها ضمن سياقها الصحيح. فالمغرب يستند إلى دعم أحد عشر عضواً لمشروع جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات، وإلى مواقف واضحة من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وإلى دعم عربي وإفريقي وأوروبي وأمريكي لاتيني.

كما أن عدم تمديد ولاية المينورسو يفتح نقاشاً غير مسبوق بشأن مستقبل البعثة، بعدما فشل مجلس الأمن في اعتماد صيغة جديدة لاستمرارها. وفي المقابل، لم تنجح روسيا في تمرير مشروعها البديل، وهو ما أبقى الوضع الأممي مفتوحاً على ترتيبات لم تحسم بعد.

أما الجزائر والبوليساريو، فقد تمكنتا من منع اعتماد المشروع الأمريكي، لكنهما لم تحصلا على قرار جديد يضمن استمرار البعثة وفق الصيغة السابقة. وبذلك لا يمكن اعتبار نتيجة الجلسة انتصاراً كاملاً لأي طرف، بل منعطفاً يكشف تغير موازين النقاش الدولي واتساع الخلاف حول مستقبل المسار الأممي.

إن قوة المغرب في قضية الصحراء المغربية لا تختزل في نتيجة تصويت واحدة، بل تكمن في تراكم دبلوماسي امتد لسنوات، وفي قدرته على نقل مبادرة الحكم الذاتي من مستوى المقترح الوطني إلى مركز النقاش الدولي، وفي بناء شبكة دعم تشمل قوى دولية وازنة وشركاء عرباً وأفارقة وأوروبيين وأمريكيين لاتينيين.

لقد دخلت القضية مرحلة جديدة، عنوانها أن استمرار إدارة النزاع بالآليات التقليدية لم يعد يحظى بالتوافق الذي كان يضمن تجديد ولاية المينورسو، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أصبح حاضراً بقوة في تصورات عدد من الدول المؤثرة بشأن التسوية.

والرسالة التي حملها بلاغ الديوان الملكي واضحة: المغرب متمسك بوحدته الترابية، وبحقه في الدفاع عن أمنه وسيادته، ومنفتح على حل سياسي واقعي يقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، دون أن يقبل باستمرار وضع أممي يطحن الزمن ولا يفضي إلى حل نهائي.

إن المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها، والمرحلة المقبلة ستكون اختباراً لقدرة الدبلوماسية الدولية على مواكبة واقع جديد صنعته التحولات السياسية وتراكم المواقف الداعمة للمبادرة المغربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى