سياسة

مؤتمر التوحيد والإصلاح يفتح ملفات الهوية وفلسطين والحريات بالمغرب.. أوس الرمال يدعو إلى مراجعة توحيد خطبة الجمعة وإصلاح سياسي واجتماعي شامل

دخلت حركة التوحيد والإصلاح مرحلة تنظيمية جديدة مع انطلاق أشغال جمعها العام الوطني الثامن، مساء الجمعة 23 أكتوبر الجاري، بمجمع مولاي رشيد للشباب والطفولة ببوزنيقة، في محطة تمتد إلى غاية 25 أكتوبر، وتنعقد تحت شعار «بالاستقامة ينهض الوطن، وبالمقاومة تعز الأمة»، وسط حضور سياسي وفكري وحقوقي وازن، ونقاشات تضع قضايا الهوية الإسلامية وفلسطين ورفض التطبيع والحريات العامة وإصلاح التعليم والأسرة في صلب أولويات الحركة خلال المرحلة المقبلة.

ويكتسي هذا الجمع العام أهمية خاصة لكونه يتزامن مع مرور ثلاثين سنة على تأسيس الحركة، كما يشكل محطة لتقييم حصيلة المرحلة التنظيمية الممتدة من 2022 إلى 2026، ومراجعة الاختيارات والوسائل المعتمدة، وتجديد هياكل القيادة وفق القواعد الداخلية للتنظيم. وحسب المعطيات التي نشرتها الحركة، شارك في الجلسة الافتتاحية أكثر من 600 مندوب، إلى جانب أعضاء ومتعاطفين وضيوف من داخل المغرب وخارجه، فيما تتضمن الأشغال عرض تعديلات القانون الأساسي والنظام الداخلي والمصادقة عليهما، فضلا عن المصادقة على لجنة الإشراف على انتخاب رئيس الحركة.

واختار رئيس الحركة، أوس الرمال، أن يجعل من كلمته الافتتاحية مدخلا لعرض تصور متكامل للإصلاح، لا يقتصر على الجانب الدعوي والتربوي، بل يمتد إلى الاختيارات الاجتماعية والسياسية والثقافية والحقوقية، مع التشديد على ضرورة تجديد أدوات العمل والانفتاح على الشباب ومواكبة التحولات الرقمية. وأقر الرمال بأن الرصيد الذي راكمته الحركة في مجالات الدعوة والتربية والتكوين والتأطير الأسري والثقافي لا ينبغي أن يحجب ما وصفه بالعثرات والاختلالات، داعيا إلى تقويم المسار وتطوير وسائل العمل وتوسيع دائرة التأثير المجتمعي.

وفي واحدة من أبرز الرسائل الموجهة إلى تدبير الشأن الديني، دعت الحركة إلى مراجعة إلزامية توحيد خطب الجمعة، ومنح الخطباء مساحة أوسع للتفاعل مع قضايا المجتمع والمستجدات الوطنية والدولية، ضمن الضوابط الشرعية والعلمية، كما طالبت بإعادة النظر في قرارات إعفاء عدد من الخطباء. وربط الرمال هذا المطلب بضرورة تقييم فعالية خطة «تسديد التبليغ»، والإنصات إلى العلماء والخطباء والفاعلين، بما يتيح تطوير التأطير الديني والاستجابة لحاجات المواطنين.

وتكشف هذه الدعوة عن رغبة الحركة في إعادة طرح النقاش بشأن العلاقة بين تنظيم الحقل الديني وحرية الخطباء في تناول قضايا الواقع، وهو نقاش يتجاوز الجوانب التقنية للخطبة الأسبوعية إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين وحدة المرجعية الدينية الوطنية، ومتطلبات التواصل مع المجتمع وتفاعله مع القضايا التي تشغله. غير أن مآل هذا المطلب يظل مرتبطا بمواقف المؤسسات المختصة وطبيعة التفاعل الذي قد يحظى به داخل النقاش العمومي.

فلسطين ورفض التطبيع في صدارة المواقف

احتلت القضية الفلسطينية حيزا مركزيا في خطاب رئيس الحركة، الذي جدد دعم حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، داعيا إلى وقف العدوان ورفع الحصار وإدخال المساعدات وحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب، وصيانة المقدسات الإسلامية والمسيحية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى.

كما جددت الحركة رفضها استمرار التطبيع مع إسرائيل، وانتقدت الحديث عن الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى تبادل السفراء، معتبرة أن ذلك لا ينسجم مع موقفها من القضية الفلسطينية ولا مع ما تعتبره مسؤولية وطنية وأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني. وحذر الرمال من مخاطر ما وصفه بالاختراق الإسرائيلي للنسيج الوطني والمصالح الاستراتيجية والأمن، داعيا في المقابل إلى اعتماد خطاب مسؤول يبتعد عن المزايدات والتخوين، ويوسع دائرة التوافق الوطني ويعزز الجبهة الداخلية.

ولم تقتصر الرسائل المتعلقة بفلسطين على الموقف السياسي، بل امتدت إلى الإشادة بالمبادرات السلمية والمدنية المساندة للقضية، والدعوة إلى احترام حرية التعبير والتظاهر. ويعكس ذلك تمسك الحركة بربط موقفها المناهض للتطبيع بالدفاع عن الحريات العامة، في وقت تظل فيه القضية الفلسطينية أحد أبرز محددات خطابها السياسي والمجتمعي.

الصحراء المغربية والثوابت الوطنية

وعلى مستوى القضية الوطنية، جددت الحركة تشبثها بمغربية الصحراء، وثمنت الجهود المبذولة لترسيخ هذا الموقف من خلال مبادرة الحكم الذاتي، كما دعت إلى تعزيز التعبئة الوطنية والتنمية المتوازنة بالأقاليم الجنوبية. وأكدت كذلك تمسكها بمغربية سبتة ومليلية والجزر المحتلة، مع الدعوة إلى استرجاعها بالوسائل السلمية.

وتضع هذه المواقف قضية الوحدة الترابية ضمن الثوابت التي تحرص الحركة على تأكيدها، بالتوازي مع دفاعها عن مرجعيتها الإسلامية ومواقفها من القضايا الإقليمية والدولية. كما حاول خطاب رئيسها الجمع بين التشديد على هذه الثوابت والدعوة إلى توسيع التوافق الوطني، بما يمنح المواقف المعلنة بعدا يتجاوز التعبئة التنظيمية الداخلية.

الأسرة والتعليم في قلب معركة القيم

وفي الملف الاجتماعي، شددت الحركة على مركزية الأسرة في مشروعها الإصلاحي، داعية إلى اعتماد سياسات عمومية متكاملة لدعم الاستقرار الأسري وتيسير الزواج ومعالجة أسباب الهشاشة والتفكك. كما دعت إلى مواصلة مراجعة مدونة الأسرة في إطار يحفظ المرجعية الإسلامية والثوابت الدستورية، مع استحضار حقوق مختلف أفراد الأسرة ومقاصد العدل والرحمة.

أما في مجال التعليم، فقد أعادت الحركة التأكيد على اعتراضها على الاختيارات اللغوية المعتمدة في تدريس المواد العلمية، ولا سيما فرنسة التعليم، داعية إلى اعتماد العربية لغة للتدريس وتأهيل الأمازيغية والانفتاح على اللغات الأجنبية. وربطت هذا الموقف بمسألة تكافؤ الفرص وجودة التعلمات والعدالة بين أبناء المغاربة، معتبرة أن إصلاح المدرسة لا ينبغي أن يقتصر على المناهج والتجهيزات، بل يجب أن يشمل كذلك التربية على القيم والمسؤولية والمواطنة.

ويعيد هذا الموقف ملف لغة التدريس إلى واجهة النقاش التربوي والسياسي، في سياق تتقاطع فيه اعتبارات الهوية والنجاعة التعليمية ومتطلبات الانفتاح العلمي. وتطرح مواقف الحركة، في هذا الإطار، أسئلة بشأن قدرة الإصلاحات التربوية على التوفيق بين الإنصاف اللغوي وجودة التكوين وإتقان اللغات التي يحتاجها المتعلمون في مساراتهم الجامعية والمهنية.

مطالب حقوقية وانتقاد للأوضاع الاجتماعية

على المستوى السياسي والحقوقي، دعا أوس الرمال إلى انفراج حقيقي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والمدونين، بمن فيهم المعتقلون على خلفية احتجاجات مناهضة للتطبيع واحتجاجات «جيل زد»، معتبرا أن صيانة الحقوق والحريات شرط لتعزيز الثقة والمصالحة الوطنية.

كما توقف عند غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وصعوبات الشغل والولوج إلى الخدمات الأساسية، داعيا إلى سياسات عمومية أكثر إنصافا وفاعلية، وإلى محاربة الفساد وتضارب المصالح وربط المسؤولية بالمحاسبة. وربط هذه المطالب بضرورة استخلاص الدروس من الانتخابات التشريعية لسنة 2026، وما رافقها من نقاشات وانتقادات، مؤكدا أهمية نزاهة العمل السياسي والاستجابة للانتظارات الاجتماعية.

وتعكس هذه المواقف محاولة من الحركة لتوسيع خطابها من القضايا الهوياتية والدينية إلى قضايا الحكامة والعدالة الاجتماعية والحريات. غير أن الاختبار الفعلي لا يقف عند مستوى إعلان المواقف، بل يمتد إلى قدرة الحركة على ترجمتها إلى مبادرات ومرافعات عملية، وبناء تحالفات مجتمعية حول الملفات التي تعتبرها ذات أولوية.

حضور سياسي وفكري وازن

وشهدت الجلسة الافتتاحية مشاركة شخصيات سياسية ودعوية وفكرية من داخل المغرب وخارجه، من بينها رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني، والوزير السابق مصطفى الرميد، والأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، إلى جانب شخصيات علمية ودعوية من بينها محمد الحسن الددو، وعصام البشير، وعبد المجيد النجار، وأحمد الريسوني، فضلا عن حضور ممثلين عن هيئات وفعاليات وطنية معنية بالقضية الفلسطينية.

ويعكس هذا الحضور اتساع شبكة العلاقات الفكرية والدعوية للحركة، كما يمنح افتتاح جمعها العام طابعا يتجاوز الاجتماع التنظيمي الداخلي إلى فضاء لتجديد التواصل مع شخصيات وفعاليات تتقاطع معها في بعض الملفات، مع اختلاف المرجعيات والمواقع السياسية والمؤسساتية.

وبالتوازي مع المواقف المعلنة، يظل الجانب التنظيمي أحد أبرز رهانات هذا الجمع العام، بالنظر إلى ما يتضمنه جدول الأعمال من مراجعة للقانون الأساسي والنظام الداخلي وانتخاب رئيس الحركة. وستكون نتائج هذه العملية مؤشرا على توجهات القيادة الجديدة أو المجددة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الحفاظ على المرجعية الفكرية للحركة وتجديد أدوات العمل واستقطاب الطاقات الشابة وتوسيع حضورها داخل المجتمع.

وبين نصرة فلسطين ورفض التطبيع، ومراجعة تدبير خطبة الجمعة، والدفاع عن الهوية والأسرة، وانتقاد الأوضاع الاجتماعية والمطالبة بانفراج حقوقي، يقدم الجمع العام الوطني الثامن لحركة التوحيد والإصلاح صورة عن أولوياتها للمرحلة المقبلة. لكن الأهم من اتساع الملفات التي تناولها خطاب الافتتاح سيظل ما ستسفر عنه الأشغال من قرارات تنظيمية ومواقف رسمية، وما إذا كانت الحركة ستنجح في تحويل شعارات الاستقامة والإصلاح إلى حضور مجتمعي أكثر تأثيرا، ومبادرات عملية تستجيب للتحولات التي يعرفها المغرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى