حكومة المنصوري تحت نيران الانتقادات.. المغاربة يسائلون معايير الاستوزار: هل تكفي الحسابات الحزبية لتولي حقائب الدولة؟

لم يكن الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، كافيا لإنهاء الجدل السياسي الذي رافق توزيع الحقائب الوزارية، بل فتح الباب أمام موجة من التساؤلات بشأن المعايير التي حكمت اختيار بعض الأسماء، ومدى التناسب بين المؤهلات المهنية والخبرة القطاعية والمسؤوليات الثقيلة التي أُسندت إلى أعضاء الحكومة. فبينما انتظر المغاربة حكومة تجيب عن أسئلة الشغل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، عادت إلى الواجهة إشكالية قديمة تتجدد مع كل تشكيل حكومي: هل تُمنح الحقائب لمن يمتلكون القدرة على تدبير القطاعات، أم لمن نجحوا في مفاوضات الأحزاب وتقاسم مواقع السلطة؟
إن الاعتراض على بعض التعيينات، كما يظهر في النقاش العام والتعليقات المتداولة، لا يتعلق فقط بالأسماء التي دخلت الحكومة أو عادت إليها، بل بالسؤال الأكثر جوهرية: ما الذي يجعل شخصا مؤهلا لتولي وزارة بعينها؟ وأين تنتهي مشروعية التوافقات السياسية وتبدأ ضرورة إثبات الكفاءة؟ وهي أسئلة لا يمكن اختزالها في الانطباعات أو الأحكام المسبقة، لكنها تستحق أجوبة واضحة، لأن الوزارة ليست مكافأة حزبية ولا امتيازا شخصيا، بل مسؤولية عمومية تتصل مباشرة بمصالح ملايين المواطنين.
حين تتحول الحقائب إلى موضوع للمساءلة
تضم الحكومة الجديدة، وفق التشكيلة المعلنة، وزراء احتفظوا بمناصبهم، وشخصيات عادت إلى المسؤولية الحكومية، وأخرى تدخل التجربة التنفيذية لأول مرة. كما شهدت إعادة توزيع بعض الاختصاصات واستحداث تسميات وزارية جديدة، في ظل أغلبية تضم أربعة أحزاب. وهذه التركيبة تعكس، من جهة، طبيعة التوازنات التي تفرضها المفاوضات السياسية، لكنها تضع، من جهة أخرى، معيار الكفاءة أمام اختبار حقيقي.
فمن حق الأحزاب المشاركة في الأغلبية أن تفاوض بشأن الحقائب التي ستتولاها، ومن حقها أن تقترح الأسماء التي تمثلها، لكن ليس من حق أي حزب أن يعتبر حصوله على حقيبة نهاية النقاش بشأن الشخص الذي سيتولى إدارتها. فالمسؤولية الوزارية ليست امتدادا آليا للصفة الحزبية، ولا تكفي فيها الولاءات التنظيمية أو المواقع داخل الأجهزة السياسية، بل تتطلب معرفة دقيقة بالقطاع، وقدرة على اتخاذ القرار، وفهما للتشريعات والميزانيات، واستعدادا لتحمل المسؤولية عن النتائج.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان الوزير ينتمي إلى هذا الحزب أو ذاك، وإنما ما إذا كان قادرا على الانتقال من الخطاب السياسي إلى التدبير الفعلي. فإدارة وزارة الصحة ليست كإدارة قطاع ثقافي، وتدبير التعليم ليس مجرد امتداد للعمل الحزبي، وقيادة قطاع اقتصادي تتطلب أكثر من القدرة على التفاوض أو التواصل. لكل وزارة تعقيداتها التقنية والمؤسساتية، ولكل قرار آثار مالية واجتماعية قد تمتد لسنوات.
الكفاءة ليست شهادة جامعية فقط.. ولا بطاقة حزبية
من الخطأ اختزال الكفاءة في الشهادات الأكاديمية وحدها، كما أنه من الخطأ اعتبار التجربة الحزبية أو الانتخابية دليلا كافيا على القدرة على تدبير أي قطاع حكومي. فالكفاءة الوزارية تقوم على عناصر متكاملة، تشمل المعرفة بالملف، والخبرة في اتخاذ القرار، والقدرة على قيادة الفرق، وفهم الإدارة والمالية العمومية، واستيعاب حاجيات المواطنين، والاستعداد للمحاسبة.
وقد يأتي الوزير من خلفية سياسية أو مهنية مختلفة عن طبيعة الوزارة التي أُسندت إليه، ولا يعني ذلك تلقائيا أنه غير مؤهل. فقد ينجح المسؤول في اكتساب المعرفة اللازمة والاستعانة بالأطر المتخصصة، وقد يثبت قدرته على الإصلاح رغم اختلاف مساره السابق. لكن هذا الاحتمال لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء التعيينات من المساءلة، أو لمنح المسؤولين مهلة مفتوحة من دون أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتماء الحزبي هو التفسير الوحيد للتعيين، وعندما لا يجد المواطن في المسار المهني للمسؤول ما يشرح له علاقته بالقطاع الذي سيتولى تدبيره، أو عندما تغيب الأجوبة عن الأسئلة المتعلقة بأولوياته وبرنامجه وقدرته على مواجهة الاختلالات المتراكمة.
وفي هذه الحالة، لا يعود الجدل مجرد انتقاد لشخص بعينه، بل يتحول إلى نقاش حول نموذج تشكيل الحكومات، وحدود تأثير التوازنات الحزبية في جودة القرار العمومي، ومدى قدرة المؤسسات على ضمان أن تكون المصلحة العامة هي المعيار الحاسم في إسناد المسؤوليات.
المغاربة لا ينتظرون وزراء جدد فقط.. بل نتائج جديدة
لا يمكن قراءة الجدل المحيط بالحكومة الجديدة بمعزل عن الانتظارات الاجتماعية التي تراكمت خلال السنوات الماضية. فالمواطن الذي ينتظر موعدا طبيا أو يواجه صعوبة في الولوج إلى العلاج لا تعنيه كثيرا الحسابات التي أفضت إلى تعيين وزير الصحة، بقدر ما يعنيه أن يجد مستشفى مجهزا، وموارد بشرية كافية، وعلاجا في الوقت المناسب.
والأسرة التي ترسل أبناءها إلى المدرسة لا تنتظر تفسيرا للتوازنات الحزبية بقدر ما تنتظر تعليما جيدا، ومؤسسات لائقة، وتكافؤا في الفرص. والشاب الذي يبحث عن عمل لا يقيس الحكومة بعدد الأحزاب المكونة لها ولا بعدد الوزراء الذين تضمهم، بل بقدرتها على توسيع فرص الشغل، وجذب الاستثمار المنتج، وتسهيل الاندماج المهني، وتوفير أفق اقتصادي يضمن له الاستقرار والكرامة.
أما الأسر التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، فتنتظر سياسات تخفف الضغط على ميزانياتها، وتراقب أثر القرارات الحكومية على الأسعار والدخل والخدمات. وتنتظر المقاولات الصغيرة والمتوسطة بدورها إدارة أكثر سرعة ووضوحا، ومساطر أقل تعقيدا، وبيئة اقتصادية لا تجعل الوصول إلى الفرص رهينا بالعلاقات أو القدرة على تحمل التأخيرات الإدارية.
هذه هي المقاييس التي ستحدد، في نهاية المطاف، قيمة التشكيلة الحكومية الجديدة. أما الجدل حول الأسماء، فسيظل قائما ما دامت المعايير غير واضحة للرأي العام، أو ما دامت النتائج لا تتناسب مع حجم الوعود المعلنة.
رئيسة الحكومة أمام مسؤولية تتجاوز توزيع الحقائب
تتحمل فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها رئيسة للحكومة، مسؤولية سياسية مركزية في تنسيق عمل الفريق الحكومي، وتحديد الأولويات، وضمان الانسجام بين القطاعات، ومتابعة تنفيذ البرنامج الحكومي. ولا يكفي أن تنجح المشاورات في إنتاج أغلبية برلمانية متماسكة، إذا لم ينعكس ذلك على قدرة الحكومة على اتخاذ القرارات وتنفيذها.
فالانسجام الحكومي لا يعني غياب الخلافات، بل القدرة على تجاوزها في إطار المسؤولية الجماعية. كما أن توزيع القطاعات على الأحزاب لا ينبغي أن يحول الوزارات إلى جزر منفصلة، تتقدم فيها الحسابات التنظيمية على الأولويات الوطنية. فملفات التشغيل ترتبط بالتعليم والتكوين والاستثمار، وإصلاح الصحة يحتاج إلى تنسيق مالي وإداري، والتنمية الترابية تتطلب انسجاما بين القطاعات المركزية والجماعات المنتخبة.
ومن هنا، فإن التحدي أمام المنصوري لا يتمثل فقط في قيادة حكومة تضم أطرافا سياسية متعددة، بل في إثبات أن هذا التعدد قادر على إنتاج قرارات متكاملة، وأن الاختلاف في الخلفيات الحزبية والمهنية لن يتحول إلى سبب لتعطيل الإصلاحات أو تبادل المسؤوليات عند ظهور الإخفاقات.
وتقتضي المسؤولية كذلك أن تضع الحكومة أهدافا واضحة لكل قطاع، وأن تعلن أولويات قابلة للتقييم، وأن تقدم للرأي العام حصيلة منتظمة تتيح التمييز بين ما أُنجز فعليا وما بقي في دائرة الوعود. فحين تكون النتائج معلنة، يصبح النقاش حول الكفاءة أكثر موضوعية، ويستطيع المواطن الحكم على أداء الوزير استنادا إلى معطيات، لا إلى الانتماء الحزبي أو الانطباع الأولي.
لا أحكام مسبقة.. لكن لا شيكات على بياض
إن انتقاد التشكيلة الحكومية لا يبرر إطلاق أحكام قطعية على جميع الوزراء، كما أن احترام المؤسسات لا يعني منع النقاش حول معايير التعيين. فلا يمكن الجزم بأن شخصا لا يستحق منصبه لمجرد أنه لم يسبق له تدبير الوزارة نفسها، مثلما لا يمكن اعتبار كل مسؤول راكم تجربة حكومية ناجحا بالضرورة. المعيار العادل هو الجمع بين المؤهلات والخبرة والقدرة على التنفيذ، ثم تقييم الأداء في ضوء النتائج الفعلية.
لكن هذا التوازن لا ينبغي أن يضعف حق المغاربة في المطالبة بتفسير منطقي لاختيار المسؤولين، ولا في مساءلة الأحزاب التي رشحتهم عن القيمة المضافة التي ينتظر أن يقدموها. فالأحزاب التي تطالب بثقة المواطنين في الانتخابات مطالبة بدورها بإثبات أن اختياراتها الحكومية تنطلق من اعتبارات المصلحة العامة، لا من منطق إرضاء التوازنات الداخلية أو ضمان مواقع النفوذ.
والحكومة الجديدة لا تبدأ من فراغ؛ إنها ترث ملفات ثقيلة، وانتظارات اجتماعية متراكمة، وأوراشا تحتاج إلى تسريع التنفيذ. لذلك لن يكون أمام الوزراء وقت طويل للاختباء خلف خطاب البداية أو تبرير التعثر بظروف المرحلة السابقة. فالمسؤولية تبدأ من لحظة تولي المنصب، والمحاسبة السياسية تظل مرتبطة بما تحقق وما لم يتحقق.
في المحصلة، فإن الجدل الذي أثارته تشكيلة حكومة المنصوري يعيد طرح سؤال جوهري في الحياة السياسية المغربية: هل أصبح الاستوزار قائما على استحقاق واضح يمكن الدفاع عنه أمام الرأي العام، أم أن المفاوضات الحزبية ما زالت تمنح الأولوية للتوازنات على حساب الكفاءة القطاعية؟
لا يحتاج المغاربة إلى حكومة تبدو قوية في صور التعيين، بل إلى حكومة تثبت قوتها في المستشفيات والمدارس والإدارات وسوق الشغل. ولا يريدون وزراء يكتفون بشرح ظروف وصولهم إلى مناصبهم، بل مسؤولين يشرحون ما سيغيرونه، ومتى سيغيرونه، وكيف سيقاس أثر ذلك على حياة المواطنين.
أما الذين يشكك الرأي العام في ملاءمة مساراتهم للحقائب التي أُسندت إليهم، فلن يكون الرد عليهم بحملات التبرير ولا بالخطابات الحزبية، وإنما بعمل واضح ونتائج ملموسة. فالمناصب الوزارية ليست امتيازات دائمة، والكفاءة ليست ادعاء يرافق التعيين، بل مسؤولية تثبتها الممارسة. وبين شرعية الاختيار السياسي وضرورة الاستحقاق الإداري، يبقى المواطن صاحب المصلحة الأولى، وله الحق في أن يسأل، وينتقد، ويطالب بحكومة تجعل الإنجاز معيارها الأول، والمصلحة العامة بوصلتها التي لا تحيد عنها.






