مجتمع

إقليم تازة تحت وطأة الإهمال: ساكنة الريف تنهض بنفسها بينما تتراجع مسؤوليات الجماعات المنتخبة

يعاني إقليم تازة منذ سنوات من تراكمات اختلالات خطيرة في تسيير الأشغال العمومية والصيانة الأساسية للطرق والإقامات القروية والمرافق العمومية، اختلالات بلغت حد الكارثة خلال موجات التساقطات المطرية والفيضانات التي اجتاحت المنطقة مؤخرًا، مما كشف عمق الأزمة في تدبير الشأن المحلي، وتراجع الأداء المؤسساتي لمسؤولين مفترض فيهم حماية المواطنين وكرامتهم.

ما يجري على الأرض لا يمكن اختزاله في قصور تقني أو تأخر موسمي، بل هو نتيجة تراكم فشل في التخطيط والتنفيذ والرقابة من قبل مجموعة التضامن بعمالة إقليم تازة، والمجلس الإقليمي، ومجموعات الجماعات الترابية التي تمتلك ميزانيات ضخمة مخصصة لإصلاح الطرق القروية، لكنها بدت في غياب أدوات وآليات التنفيذ، وبدت عملياتها وكأنها محكومة بمنطق الزبونية والحزبية وتوزيع المشاريع وفق دوائر انتخابية محدودة، على حساب المناطق الأكثر هشاشة وعزلة، وعلى رأسها دائرة أكنول وجماعاتها الترابية، خاصة جماعة أجدير وأكزناية الجنوبية.

الريف يعاني… والطرق تتحول إلى شرايين مقطوعة

في عز موجات التساقطات والفيضانات، بدت الطرق القروية في دائرة أكنول في حالة يرثى لها: حفر عميقة، انهيارات للممرات، وتعطيل حركية ساكنة بأكملها. غير أن اللافت أن الجرافات وآليات الإصلاح التابعة للمجالس الترابية لم تظهر إلا نادرًا وببطء شديد، لكنها عادت لتظهر في الدوائر التي تسيطر عليها نفس الجهات المنتخبة بعيدًا عن المناطق الأكثر حاجة.

الواقع في جماعة أجدير دال ومؤثر: الساكنة التي حوصرت من قبل الفيضان، بدلت سواعدها في إصلاح المسالك والطريق العام ومعابر الأودية المتضررة، دون أي دعم رسمي ملموس، واضطرت إلى الإشراف اليدوي على فتحات الانجراف لضمان عبور الطلبة والأساتذة ورواد السوق الأسبوعي، في وقت تغيب فيه الجماعات المنتخبة وممثلوها المحليون عن الاستجابة لحاجيات المواطنين في مواطن ضعفهم.

الفيضانات على أبواب المساكن… وروح التضامن الشعبي تنقذ ما يمكن إنقاذه

شهدت عدة دواوير في المنطقة انحراف مجاري الأودية وتآكلاً في منحدرات التربة، مما كاد أن يؤدي إلى جرف منازل بكاملها، لولا التعبئة الشعبية غير المنظمة للساكنة التي قامت بدور إنقاذي بامتياز،و توصلت “فاس 24” بصورة معبرة و مؤلمة في ذات الوقت للساكنة و هي شمرت على سواعدها لإصلاح المعابر نحو مساكنهم بعد أن إنقطعت عليه السبل، بينما كانت المؤسسات الرسمية غائبة، فتحديدًا انقطاع التيار الكهربائي، والخراب الذي لحق الملاعب والمرافق العمومية، واختلالات في الربط بالماء الصالح للشرب، وغياب تغطية الاتصالات زادت من معاناة السكان، وأصبحت عزلتهم أشد وطأة بسبب انقطاع التواصل مع العالم الخارجي.

هذه العزلة المتواصلة تُظهر فشلًا بنيويًا في تسيير المشاريع العمومية والاحتياجات الأساسية للمواطنين، وتطرح تساؤلات حول أولويات المصاريف والمنهجية المعتمدة في تخصيص الموارد، في ظل وجود إمكانات مالية كانت كفيلة بتخفيف وطأة الكوارث الطبيعية لو تم توجيهها بشكل مسؤول.

دعوة عاجلة لعامل الإقليم رشيد بنشيخي: زيارات ميدانية وتحقيق شامل

وسط هذا الواقع المتأزم، يوجه المجتمع المدني والنشطاء والمواطنون نداءً واضحًا إلى عامل إقليم تازة، رشيد بنشيخي، للتدخل العاجل والوقوف على معاناة الساكنة في دواوير أجدير وأكزناية الجنوبية، شريطة أن تكون هذه الزيارة ميدانية، ملموسة، وتتفاعل مع الواقع دون حلول ترقيعية.

يُنتظر من السيد العامل، الذي يتمتع بخبرة ميدانية واسعة ومعرفة بخريطة الإقليم، أن يشرف على:

  • زيارة دواوير أجدير وأكزناية الجنوبية والوقوف على حجم الأضرار التي خلفتها الفيضانات؛

  • التوجه إلى سوق الخميس الموحل للاطلاع على معاناة التجار والسكان مع شلل الخدمات؛

  • فتح تحقيق إداري وتقني شامل بشأن ملعب القرب الذي تحول إلى خراب، مع تحديد المسؤوليات عن إهماله؛

  • الترافع لدى مجلس الجهة لتخصيص اعتمادات استثنائية لإصلاح وتأهيل الدواوير المتضررة؛

  • إعادة تقييم أداء مجموعة التضامن بعمالة تازة ومهامها، خاصة بعد تراجع مشاركتها في إصلاح الطرق القروية؛

  • التدقيق في آليات العمل لدى الجماعات الترابية والمنتخبين الذين سُجل عنهم توجيه الموارد لمناطق محددة على حساب مناطق في أمسّ الحاجة إليها.

الرافعة الحقيقية: ربط المسؤولية بالمحاسبة

إن ما تشهده تازة، وخصوصًا دائرة أكنول وجماعاتها الترابية، أكبر من مجرد قصور تقني أو سلبيات مؤقتة؛ بل هو انعكاس لفشل منظومة التدبير المحلي في مواكبة الحد الأدنى من متطلبات الساكنة، حتى في أوقات الأزمات الطبيعية.

والساكنة اليوم في انتظار تحرك جريء من عامل الإقليم، يقلع عن الزيارات التمثيلية، ويطبق سياسة الميدان الحقيقية، ويربط المسؤولية بالمحاسبة، ويعيد الاعتبار لوجود الدولة في المناطق النائية. هذه ليست مطالب انتخابية، بل حقوق أساسية لمواطنين يساهمون في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للإقليم، ويستحقون حياة كريمة في بيئة آمنة وبنى تحتية سليمة.

إن تأخر الاستجابة والمماطلة في اتخاذ الإجراءات العاجلة لا يمكن أن يُبرر بعد اليوم، وعليها أن تشهد تحولًا حقيقيًا في الأداء المؤسساتي، لا أن تبقى منطقة تُدار بمنطق الزبونية والانتظار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى