قضايا

زلزال مالي جديد يهز الاستيراد والتصدير: شبهات غسل أموال تطارد شركات وتحقيقات عاجلة تفتح ملفات ثقيلة

دخلت الهيئة الوطنية للمعلومات المالية على خط ملفات شديدة الحساسية، عقب توصلها بإشعارات جديدة ومقلقة بالاشتباه في غسل أموال، وردت مباشرة من مراقبي المديرية العامة للضرائب ومكتب الصرف، وتهم ثلاث شركات تنشط في مجالات الاستيراد والتصدير والتوزيع، وسط مؤشرات قوية على اختلالات خطيرة وتلاعبات مالية عابرة للحدود.

مصادر جيدة الاطلاع أكدت أن هذه الإشعارات لم تكن عادية ولا معزولة، بل كشفت تضارباً فاضحاً بين المعطيات الجبائية المصرح بها والتحويلات المالية نحو الخارج، ما استدعى فتح أبحاث استعجالية ودقيقة من طرف الهيئة، في سباق مع الزمن لتفكيك خيوط شبكة مالية معقدة.

موانئ استراتيجية… وأرباح “غير منطقية”

التحريات الأولية أظهرت أن نشاط الشركات المعنية يتركز بشكل لافت في ميناء طنجة المتوسط وميناء الدار البيضاء، مع اعتماد شبه حصري على مزودين بعينهم من الخارج، خصوصاً من الصين ودول أوروبية. غير أن الخطر الحقيقي لم يكن في طبيعة النشاط، بل في الأرقام.

فافتـحاص قواعد المعطيات الجبائية والمالية، بالاستعانة بخوارزميات تحليل متطورة، كشف عن عدم انسجام صارخ بين الأرباح المصرح بها وحجم المعاملات الفعلية لهذه الشركات، ما فجّر شكوكاً قوية حول وجود تضخيم مقصود للأرباح وتحويلات مشبوهة.

شركات “عالية المخاطر” تحت المجهر

مصالح الضرائب ومكتب الصرف لم تتردد في تصنيف هذه الوحدات ضمن لائحة الشركات عالية المخاطر، وهو ما دفع مراقبي الهيئة الوطنية للمعلومات المالية إلى الغوص عميقاً في حساباتها البنكية، بحثاً عن أدلة على:

  • تضخيم الأرباح بشكل مصطنع

  • أداء مستحقات ضريبية “مبالغ فيها” لإضفاء المشروعية

  • التمويه على عمليات تملص وغش ضريبي محتملة

الغاية، بحسب المصادر، واضحة: خلق واجهة قانونية لأموال مشبوهة وتحييد أعين المراقبة.

خيوط دولية… وبارونات مخدرات في الصورة

الأخطر في هذا الملف أن التحقيقات لم تبقَ حبيسة الحدود الوطنية. فبفضل تبادل المعطيات مع أجهزة رقابية نظيرة، خصوصاً في إسبانيا وبلجيكا، توقفت الهيئة عند معطيات صادمة تشير إلى تورط “بارونات” مخدرات في إنشاء شركات بالمغرب وخارجه، بأسماء مقربين وواجهات تجارية، تنشط في قطاعات متعددة.

هذه الشركات، وفق المصادر نفسها، تُستعمل في إنجاز عمليات تجارية صورية، الهدف منها تبرير تحويلات مالية ضخمة بين وحدات مترابطة، في سيناريو كلاسيكي لغسل الأموال عبر تضخيم المعاملات والأرباح المصرح بها، ثم إدماجها في الدورة الاقتصادية بشكل “نظيف”.

أرقام ثقيلة… وجرس إنذار

التحقيقات الجارية مكنت، بتنسيق مع المديرية العامة للضرائب، من تحديد قيمة أولية للمبالغ المشكوك في غسلها، قُدرت بحوالي 65 مليون درهم (6.5 مليارات سنتيم)، وهو رقم مرشح للارتفاع مع توسيع نطاق التدقيق ليشمل:

  • تحويلات بنكية إلى الخارج

  • شبهات تزوير وثائق صرف

  • تلاعبات محتملة في الفوترة

تصاعد غير مسبوق في ملفات غسل الأموال

هذا الملف يأتي في سياق مقلق تؤكده الأرقام الرسمية؛ إذ سبق للهيئة الوطنية للمعلومات المالية أن أحالت 84 ملفاً على وكلاء الملك بعدة محاكم كبرى، من بينها الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش، في قضايا مرتبطة بغسل الأموال والجرائم الأصلية، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 18.31% بين 2023 و2024.

كما تلقت الهيئة 8103 تصريحات بالاشتباه في غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مقابل 1088 فقط سنة 2018، في قفزة تعكس اتساع دائرة الخطر وتعقّد أساليبه. وسُجلت كذلك زيادة بنسبة 40.26% في وتيرة التصريح بين 2023 و2024، مدفوعة بتعزيز آليات التبليغ والتنسيق الرقابي.

 حرب مفتوحة على المال القذر

المؤكد اليوم أن حرب الدولة على غسل الأموال دخلت مرحلة أكثر شراسة، وأن شبكات التمويه عبر التجارة والاستيراد والتصدير لم تعد بمنأى عن الرصد والتفكيك. فالرسالة واضحة:
لا غطاء ضريبياً سيحمي المال القذر، ولا واجهات تجارية ستنجو من الخوارزميات والتحقيقات العابرة للحدود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى