سياسة

بين بنكيران والعدل والإحسان… زحف سياسي في الشارع يربك حكومة أخنوش

مقال تحليلي: عبدالله مشواحي الريفي

المشهد السياسي المغربي يشهد في الأسابيع الأخيرة دينامية غير مسبوقة، تقودها في الواجهة حركة العدالة والتنمية من جهة، وجماعة العدل والإحسان من جهة ثانية، في وقت يبدو فيه أن الأغلبية الحكومية، وعلى رأسها حزب التجمع الوطني للأحرار، فقدت زمام المبادرة وعجزت عن مواجهة الموجة الجديدة من الاحتجاجات والتأطير الشعبي.

عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بدا وكأنه يخطط لعودة حزبه القوية إلى الساحة السياسية، بعد نكسة انتخابات 2021. خرجاته الأخيرة تستثمر في السياقين الإقليمي والدولي؛ من قضية غزة وما خلفته من تعاطف شعبي واسع، إلى أزمة  قطر التي استغلها لتوجيه ضربات سياسية متتالية لحكومة أخنوش. في كل ذلك، يعمل بنكيران على إعادة تموضع حزبه كلاعب أساسي، بعدما وجد أن خصومه في الأغلبية غارقون في الدفاع الضعيف وتبرير الفشل.

في المقابل، جماعة العدل والإحسان اختارت مسارا مختلفا: قيادة الشارع عبر تأطير الاحتجاجات التضامنية مع غزة، وتنظيم مسيرات كبرى بمناسبة المولد النبوي والسيرة النبوية، و التنديد بضرب عمق قطر بصواريخ إسرائيل التي إستهدفت قادة حماس على مائدة الغذاء، لكن الهدف الحقيقي ليس الاحتفاء او التضامن أو التنديد،بل استقطاب مزيد من الأنصار وتوسيع قاعدتها الشعبية. الجماعة تركز أيضاً على ملفات اجتماعية حساسة، مثل تردي الوضع الصحي، مستغلة غضب الشارع واحتجاجاته، في خطوة توحي بتغيير في خططها الكلاسيكية نحو مزيد من الانخراط الميداني المباشر.

المثير أن مراقبين لا يستبعدون وجود تنسيق غير معلن بين العدالة والتنمية والعدل والإحسان، خاصة عبر ذراع “التوحيد والإصلاح”، باعتبار أن الطرفين وجدا في اللحظة الراهنة فرصة تاريخية لتقاسم الأدوار: البيجيدي عبر الهيمنة على المشهد الإعلامي ومنصات التواصل الاجتماعي، والجماعة عبر السيطرة على الشارع والاحتجاجات.

هذا التقارب، إن صح، يفتح الباب أمام سيناريو مثير في أفق انتخابات 2026، إذ قد ترى العدل والإحسان أن دعم العدالة والتنمية في صناديق الاقتراع أقل ضرراً لها من وصول أحزاب أخرى مثل الأحرار أو الأصالة والمعاصرة. وهو ما يعكس بوضوح أن الساحة السياسية اليوم تعيش فراغاً قاتلاً تركته الأغلبية الحالية، حيث يظهر قادة الأحرار والبام عاجزين عن المقارعة الفكرية والسياسية، بلا كاريزما نضالية ولا حضور ميداني حقيقي.

الواضح أن المغرب دخل مرحلة سياسية جديدة: زخم احتجاجي متنامٍ،  محاولة عودة حزب إسلامي إلى صدارة المشهد، وحركة معارضة ذات امتداد شعبي تسيطر على الشارع. وبين هذا وذاك، تظل حكومة أخنوش الغائب الأكبر، تائهة بين شعارات التنمية وواقع اجتماعي يزداد تأزماً، ما يجعلها الهدف السهل لخصومها الذين وجدوا أخيراً فرصة العودة إلى الواجهة.

وأمام هذا الزحف المتدرّج للإسلاميين على المشهد السياسي، لم يعد مسموحاً لباقي الأحزاب أن تظل في موقع المتفرّج أو الغائب؛ بل صار لزاماً عليها أن تستفيق وتستعيد زمام المبادرة عبر طرح بدائل واقعية تقنع المواطن وتُعيد له الثقة في العمل السياسي المؤسساتي. كما أن الدولة مدعوة إلى المضي أبعد في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ليس فقط كشعار دستوري بل كآلية يومية صارمة تُعزز مصداقية المؤسسات، وتُقوّي جسور الثقة مع المواطنين. ويُصبح من الضروري أيضاً الدفع بإجراءات إصلاحية استباقية تُقلّص من هامش المناورة الذي يستغله العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، مع بناء تكتل وطني متماسك لمواجهة كل محاولات التشكيك أو التشويش على مجهودات الدولة في التنمية والإصلاح، وضمان أن يظلّ النقاش السياسي في مساره المؤسّسي الطبيعي بعيداً عن الاستغلال الشعبوي أو المزايدات الظرفية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى