سياسة

“تمرين انتخابي يضرب المشهد السياسي: قراءة معمقة لانتصار ‘الحمامة’ وتداعياته المستقبلية”:أخنوش يستعيد بريقه وسط عاصفة الاتهامات”

فاس24: مقال إخباري تحليلي : عبدالله مشواحي الريفي 

لم تكن نتائج الانتخابات الجزئية الأخيرة مجرد فوز عابر لحزب التجمع الوطني للأحرار، بل يمكن اعتبارها بمثابة زلزال انتخابي يرتد صداه في أروقة السياسة المغربية. ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه نحو التحديات الاقتصادية والاجتماعية، فاجأت صناديق الاقتراع الجميع بانتصار ساحق لـ “الحمامة” في 27 عمالة وإقليمًا، همت 58 دائرة إنتخابية إنتزعت “الحمامة” 61 مقعدا محققًا أغلبية مقاعد الدوائر التي جرت فيها الانتخابات. هذا الانتصار، الذي يمنح الحزب قوة دفع جديدة ورصيدًا برلمانيًا معززًا، يستدعي قراءة متأنية ومعمقة لفهم أبعاده وتداعياته المحتملة.

لا يمكن تجاهل البعد الشخصي في هذا الانتصار الانتخابي، فبالنسبة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش الذي يحق له الإنتشاء بالتمرين الجزئي، تأتي هذه النتائج لتشكل لحظة فارقة في ولايته رجعت به الى الوراء اي  بعد مرور أسبوع على الذكرى السنوية لانتخابات شتنبر 2021، التي قادته إلى رئاسة الحكومة، جاءت نتائج الانتخابات الجزئية الأخيرة و كانت بمثابة جس نبض الحزب و الكتلة الناخبة التي  منحته “هدية سياسية” ثمينة. ففي وقت يواجه فيه الحزب ورئيسه حملات “شيطنة وتهييج وتجييش”، جاءت صناديق الاقتراع لتعلن عن ثقة الناخبين في خياراتهم. هذا الانتصار يمثل بلا شك أسعد أسبوع في ولاية أخنوش، فهو ليس فقط انتصارًا للحزب، بل هو أيضًا انتصار شخصي لرئيس الحكومة، الذي تمكن من تجاوز العواصف السياسية والإعلامية التي واجهته. هذا الانتصار يمنحه دفعًا معنويًا قويًا، ويعزز من موقعه السياسي، ويمنحه ثقة أكبر في قيادة الحكومة وتنفيذ برنامجها الإصلاحي.

إن حصر أسباب هذا الفوز الكبير في عوامل سطحية سيكون اختزالًا مخلًا. من الضروري التعمق في فهم الديناميكيات التي أفرزت هذه النتائج. هل يعكس هذا الانتصار تحولًا حقيقيًا في المزاج العام للناخبين وثقتهم في حزب الأحرار؟ أم أنه ناتج عن ضعف وتشتت صفوف المعارضة في هذه الدوائر تحديدًا؟ وهل لعب الأداء الحكومي الحالي، رغم الانتقادات الموجهة إليه، دورًا في تعزيز صورة الحزب لدى جزء من الناخبين؟

بالإضافة إلى ذلك، يجب الأخذ في الاعتبار السياق الزمني والسياسي الذي جرت فيه هذه الانتخابات. فالفوز يأتي بعد مرور حوالي أربع سنوات من  الانتخابات العامة التي وضعت حزب التجمع الوطني للأحرار في صدارة المشهد السياسي. ومع بقاء حوالي سنة لإجراء إنتخابات تشريعية جديدة، وهو تمرين سياسي و إنتخابي يعطي استمرارًا لذات الزخم، وتجديد للثقة بعد فترة من التحديات.

على المستوى الاستراتيجي، يمنح هذا الانتصار حزب التجمع الوطني للأحرار ورئيسه عزيز أخنوش قوة تفاوضية أكبر داخل الائتلاف الحكومي. كما يعزز من قدرة الحزب على تمرير أجندته التشريعية والتنفيذية بثقة أكبر. وقد يدفع هذا الفوز بعض القوى السياسية الأخرى إلى إعادة تقييم تحالفاتها ومواقفها في المرحلة المقبلة.

أما على المستوى التكتيكي، فيمكن أن يستثمر حزب “الحمامة” هذه النتائج في تعزيز حضوره التنظيمي وتوسيع قاعدته الشعبية في مختلف ربوع المملكة. كما يمكن أن يشكل هذا الانتصار دافعًا قويًا للحزب لخوض الاستحقاقات الانتخابية القادمة بطموح أكبر.

إلا أن هذا الانتصار الكبير لا يخلو من تحديات. فالمسؤولية الملقاة على عاتق حزب التجمع الوطني للأحرار أصبحت أكبر، ويتعين عليه الآن ترجمة هذه الثقة إلى إنجازات ملموسة تلبي تطلعات المواطنين. كما أن استمرار حملات الانتقاد والتشكيك قد يشكل ضغطًا إضافيًا على الحزب للحفاظ على هذا الزخم وتبرير هذه الثقة.

في المقابل، يفتح هذا الانتصار آفاقًا جديدة أمام حزب “الحمامة”. فقد يمثل بداية مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين. كما يمكن أن يشكل حافزًا لباقي الأحزاب السياسية لمراجعة أدائها واستراتيجياتها من أجل المنافسة بشكل أكثر فعالية في المستقبل.

إن الانتصار الساحق لحزب التجمع الوطني للأحرار في هذه الانتخابات الجزئية ليس مجرد رقم في سجل الانتصارات الانتخابية، بل هو مؤشر قوي على تحولات محتملة في المشهد السياسي المغربي. يتطلب فهم دلالات هذا الانتصار وتحليل تداعياته المستقبلية نظرة شمولية تأخذ في الاعتبار مختلف العوامل الداخلية والخارجية. يبقى الأكيد أن هذه النتائج ستترك بصمتها على الديناميكيات السياسية القادمة، وستضع جميع الفاعلين السياسيين أمام مسؤولية التعامل مع هذا الواقع الجديد بذكاء وتبصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى