سياسة

104 سنة على ملحمة أنوال… حين مرغ الريفُ أنف الاستعمار في التراب

يستعيد المغاربة ذكرى مجيدة صنعتها بنادق الصمود في وجه الحديد والنار، وخلّدها التاريخ بأحرف من دم وفخر: معركة أنوال، التي تعود ذكراها الـ104 لتوقظ الذاكرة الوطنية من سباتها، وتذكر الأجيال بأن شعبًا بلا ذاكرة شعبٌ قابل للانكسار.

في مثل هذا اليوم، سجل المقاومون الريفيون بقيادة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي واحدة من أكبر الهزائم في تاريخ الجيوش الاستعمارية، حين سقط الجنرال الإسباني “سيلفستر” في ميدان المعركة ومعه الآلاف من الجنود والعتاد، في ضربة مدوية هزت أركان الإمبراطورية الإسبانية، وأعادت ترتيب خرائط التمرد في المستعمرات.

لم تكن ملحمة أنوال صدفة، بل امتدادًا لمقاومة شرسة قادها قبله الشريف محمد أمزيان منذ مطلع القرن العشرين، حيث واجه الغزاة في معارك دامية استمرت إلى أن سقط شهيدًا في 1912. بعدها حمل بن عبد الكريم مشعل الثورة، فحوّل الريف إلى جبهة نار لا تهدأ، مدججًا برؤية سياسية وعسكرية غير مسبوقة، وأسس واحدة من أذكى حركات التحرير وأكثرها تنظيمًا، جعلت من تكتيكات حرب العصابات فناً جديداً في مواجهة الجيوش الجرارة.

معركة أنوال، التي اندلعت في يوليوز 1921، لم تكن مجرد معركة ربح فيها المجاهدون أرضاً، بل نقطة تحول في وعي الشعوب المقهورة، وإلهام لحركات تحرر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. أمام صلابة المقاومة، لم تجد القوات الاستعمارية الإسبانية إلا التقهقر نحو مليلية، مخلفة وراءها جثث جنودها ومئات الأطنان من الأسلحة التي استحوذ عليها المجاهدون.

هذا الانتصار، رغم عظمته، جلب على الريف عدواناً مزدوجًا من فرنسا وإسبانيا، فتحالف الاستعماران لإخماد شرارة الثورة التي أربكت معادلاتهما. ومع ذلك، ظل الخطابي ومقاتلوه صامدين طيلة سنة كاملة، فرضوا خلالها شروطهم، وخاضوا مفاوضات ندّية، قبل أن يقرر القائد تسليم نفسه حفاظاً على الأرواح، بعدما بات واضحًا أن ميزان القوى العسكري لم يعد يسمح بالاستمرار.

لكن جذوة المقاومة لم تنطفئ، بل تحولت إلى نار تحت الرماد، لتنتقل بعدها المواجهة من الميدان إلى السياسة، وتتصاعد وتيرة النضال الوطني الرافض للمشروع الاستعماري التقسيمي، كما تجسد في مواجهة ما سمي بـ”الظهير البربري”، ومحطات النضال السلمي كوثيقة المطالبة بالاستقلال في 1944، ورحلة الوحدة التاريخية التي قام بها الملك الراحل محمد الخامس إلى طنجة سنة 1947، وما تلاها من نفيه القسري إلى مدغشقر سنة 1953، والذي لم يُطفئ جذوة الكفاح، بل زادها اشتعالاً حتى نالت البلاد استقلالها.

ذكرى أنوال اليوم ليست مجرد حدث لتأبين الأبطال، بل مناسبة لإعادة طرح أسئلة راهنة: أين نحن من تضحيات أولئك الذين مرغوا أنف الاستعمار في التراب؟ وهل الدولة المغربية اليوم، بكامل مؤسساتها، تواصل الوفاء لروح المقاومة، عبر استكمال مشروع التحرير في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية؟

ففي الوقت الذي تؤكد فيه أسرة المقاومة تعبئتها خلف الملك محمد السادس للدفاع عن الوحدة الترابية، خصوصًا عبر دعم مشروع الحكم الذاتي بالصحراء، تبقى الحاجة ماسة إلى جعل هذه الروح التحررية رافعة لتعزيز المواطنة الفاعلة، وربط الماضي بالمستقبل، خصوصاً في زمن العولمة والتحديات العابرة للحدود.

من واجب الدولة أن تُحول ملحمة أنوال من مجرد تخليد مناسباتي إلى منهاج وطني في التربية والسياسة والتاريخ، فالمعركة لم تكن فقط ضد استعمار عسكري، بل ضد محاولة مسخ هوية وتفكيك شعب، وهو ذات التحدي الذي نواجهه اليوم بأقنعة مختلفة.

ومن تمّ، فإن الوفاء الحقيقي لذكرى أنوال لا يكون إلا ببناء مغرب العدالة والكرامة والذاكرة الحية، مغرب لا ينسى أن دماء الريف كانت الثمن الأول للحرية، وأن شرف الأمة لا يصان إلا حين يحترم الوطن أبناءه، كما احترموا هم ترابه ذات يوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى