سياسة

مقال تحليلي:قراءة في المشهد السياسي: التجمع الوطني للأحرار يواجه مرحلة الانتقال بهدوء وترقب

مقال تحليلي من إعداد : عبدالله مشواحي الريفي

يعيش حزب التجمع الوطني للأحرار واحدة من أدق محطاته التنظيمية والسياسية منذ تأسيسه، مرحلة تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع رهانات المرحلة المقبلة، وتختبر فيها قدرة الحزب على تدبير الانتقال دون كلفة سياسية أو تنظيمية، في ظل إعلان عزيز أخنوش تنحيه عن رئاسة الحزب، وتوجيهه القيادة نحو تنظيم مؤتمر استثنائي بمدينة الجديدة يوم 7 فبراير، في خطوة أربكت المشهد وأطلقت العنان لكل السيناريوهات الممكنة.

مصادر متطابقة تؤكد أن قيادة الحزب اختارت منطق التريث وعدم التسرع في تنزيل أي ترشيح لخلافة أخنوش، مفضلة إدارة المرحلة بمنهج هادئ ومحسوب، عبر لجنة خاصة مكونة من عشرة أعضاء، أوكلت لها مهمة الإنصات للقيادات الجهوية والوطنية، وجس نبض الهياكل، وصياغة سيناريوهات ما بعد أخنوش، في مرحلة توصف داخل الحزب بـ«الحساسة والمفصلية».

وفي سياق لافت، علم أن اللجنة المذكورة نظمت حفل عشاء سياسي مع عزيز أخنوش، لم يكن بروتوكولياً بقدر ما كان جلسة مكاشفة صريحة لتبادل الرؤى حول مآلات الحزب، ومخاطر الفراغ القيادي، وحدود الممكن سياسياً وتنظيمياً، خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية، واشتداد التنافس الحزبي المبكر.

ووفق المعطيات المتداولة، فإن أخنوش يستعد أيضاً لعقد لقاء موسع مع المسؤولين الجهويين للحزب، من أجل ضبط الإيقاع التنظيمي، والتأكيد على ضرورة استمرار الهيئات في عملها، ورفع منسوب التواصل مع المناضلين والمواطنين، والدفاع عن حصيلة الحكومة في مواجهة الانتقادات المتصاعدة، بما يوحي بأن الرجل، وإن أعلن التنحي، لم يغادر بعد مركز الثقل داخل الحزب.

سيناريوهات مفتوحة… وانتظارية محسوبة

عملياً، يتحرك الحزب داخل هامش زمني ضيق تحكمه محطتان أساسيتان:
الأولى، يوم 28 يناير، وهو آخر أجل لإيداع الترشيحات المحتملة لخلافة أخنوش. إلى حدود اللحظة، لم تتوصل اللجنة بأي ترشيح رسمي، ما عزز فرضية «الانتظارية المنظمة».
الثانية، مؤتمر 7 فبراير، الذي قد يتحول إما إلى محطة انتقال سلس، أو إلى لحظة ضغط سياسي لدفع أخنوش إلى تدبير المرحلة إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وتأجيل الحسم القيادي إلى مؤتمر وطني لاحق حفاظا على التماسك، تفرزه خريطة سياسية جديدة.

داخل الحزب، يراهن كثيرون على كاريزما أخنوش وقدرته على قيادة الحزب خلال الاستحقاقات المقبلة، باعتباره الضامن لوحدة الصف، والواجهة القادرة على تدبير المعركة الانتخابية في سياق إقليمي واجتماعي معقد. لذلك، لا يُستبعد أن تنتهي هذه المرحلة بمحاولة إقناعه بالعدول عن الاستقالة التنظيمية، أو على الأقل تأجيلها.

أما السيناريو الأقل ترجيحاً، والأكثر إثارة، فيبقى الإعلان المفاجئ عن مرشح جديد ليلة أو صباح 7 فبراير، في خطوة قد تُقرأ كرسالة قوة أو كمغامرة غير محسوبة، وهو خيار تدرك القيادة كلفته الرمزية والسياسية.

المشهد الحزبي: الأحرار في موقع القوة رغم العواصف

في الميدان السياسي، ورغم الضجيج، ما يزال حزب التجمع الوطني للأحرار متقدماً نسبياً على خصومه. فحزب الاستقلال يعيش تصدعاً داخلياً مقلقاً، يضعف موقعه الانتخابي ويحد من قدرته على التموقع، في ظل تراجع الزخم الشعبي وارتباك القيادة.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيبدو عاجزاً عن تجاوز الأحرار بقيادته الحالية المنهكة، وهو مقبل بدوره على مجلس وطني حاسم يوم 31 يناير، وسط رهانات غير محسومة حول القيادة، وترويج أسماء تبقى، إلى حدود الآن، خارج الواقعية السياسية، خاصة في ظل استبعاد دخول أسماء مرتبطة بملفات استراتيجية كبرى.

حزب العدالة والتنمية، من جهته، يسعى إلى ترميم صورته واستعادة جزء من روحه التنظيمية، لكنه يظل بعيداً عن لعب أدوار طلائعية، مكتفياً بطموح العودة إلى الحكومة والمصالحة مع خصوم الأمس، في سياق سياسي أقل استقطاباً.

المستفيد الأكبر من هذا المخاض قد يكون حزب الحركة الشعبية، الذي راكم رصيداً سياسياً لافتاً من خلال معارضة شرسة قادها أمينه العام محمد أوزين، ما مكنه من توسيع قاعدته الجماهيرية، وفتح شهية جزء من الناخبين لدعمه في أفق رفع تمثيليته البرلمانية، والدخول بقوة في مفاوضات الحكومة المقبلة.

خلاصة المرحلة: بين المطرقة والسندان

حزب التجمع الوطني للأحرار يقف اليوم بين خيارين لا ثالث لهما:
إما استمرار أخنوش في قيادة الحزب إلى غاية نهاية ولايته الحكومية، بما يضمن الاستقرار ويقلل المخاطر،
وإما فتح صفحة جديدة بقيادة بديلة، في توقيت دقيق قد لا يرحم الأخطاء.

هي مرحلة اختبار حقيقي لحزب وُلد من رحم الصراعات السياسية بالمغرب، ونجح في التحول إلى قوة انتخابية وازنة، لكنه مطالب اليوم بإثبات أن قوته لا تختزل في اسم واحد، وأن الاستمرارية لا تعني الجمود، بل القدرة على تجديد النخب، وتدبير الانتقال، ومواجهة المستقبل بأدوات سياسية أكثر نجاعة وصلابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى