غلاء الفنادق وضعف الجودة يدفع المغاربة إلى الوجهات الأجنبية: السياحة الداخلية تحت المجهر

في الوقت الذي يفتتح فيه المكتب الوطني المغربي للسياحة سنة 2026 دراسة وطنية واسعة تهدف إلى إعادة تشخيص السياحة الداخلية وفهم دينامياتها الفعلية، يظل المواطن المغربي أمام واقع مؤلم يتمثل في ارتفاع أسعار الفنادق المصنفة إلى مستويات تجاوزت حتى الأسعار الأوروبية، مع غياب ملحوظ للجودة في المبيت والتغذية، ما يجعل التجربة السياحية الوطنية أقل جاذبية مقارنة بالوجهات الخارجية.
وتأتي هذه الدراسة، التي حملت عنوان “السياحة الداخلية: أي إمكانات لأي منتج سياحي”، في مرحلة مفصلية مع اقتراب انتهاء خارطة الطريق السياحية 2023-2026، والتي راهنت على استقطاب 17.5 مليون سائح ورفع عائدات القطاع إلى 120 مليار درهم، وخلق نحو 200 ألف منصب شغل. لكن النتائج الواقعية أظهرت أن هذه الأهداف بقيت طموحات على الورق، إذ أن الاستثمارات والإستراتيجيات الحكومية لم تترجم بعد إلى تحفيز ملموس للسياحة الوطنية.
ويكشف واقع السوق أن المواطن المغربي بات يفضل السفر إلى تركيا أو الدول الأوروبية والآسيوية مقابل عطلاته، نظرًا لكونها توفر تجربة أفضل من حيث الجودة والخدمات، بأسعار أقل أو في مستوى مقارب للأسعار الوطنية الفلكية للفنادق المصنفة، وهو ما يعكس فشل وزيرة السياحة في الترويج للسياحة الداخلية وغياب فعالية السياسات الحكومية، إضافة إلى الهدر الواضح للمال العام في استراتيجيات سياحية فارغة على عروشها.
لقد برزت أزمة الجائحة العالمية كدرس قاسٍ للقطاع؛ ففي فترة إغلاق الحدود الدولية، ارتفعت مساهمة السياحة الداخلية إلى نحو 70٪ من إجمالي ليالي المبيت في الفنادق المصنفة سنة 2021، مما أظهر الإمكانات الحقيقية للسوق المحلية. لكن مع استئناف السفر الدولي، تراجعت هذه النسبة إلى نحو 30٪ سنة 2024، وهو ما يعكس ضعف العرض المحلي وغياب الجودة والخدمات المناسبة، وليس ضعف الطلب الداخلي.
وتستهدف الدراسة الجديدة عينة واسعة تشمل أكثر من 10,200 شخص موزعين على مختلف جهات المملكة، لتحليل سلوكيات السائح المغربي، وتقييم مدى رضا المواطنين عن الخدمات الفندقية والإقامة السياحية، بما في ذلك الفنادق المصنفة ودور الضيافة والشقق المفروشة والمنصات الرقمية. النتائج الأولية تشير إلى أن المواطن المغربي يعاني من ارتفاع أسعار الإقامة والفنادق دون مبرر، ضعف التنوع والخدمات، وعدم تناسب الأسعار مع الجودة المقدمة، ما يدفعه إلى البحث عن بدائل خارج البلاد.
وتؤكد التجارب الدولية أن السياحة الداخلية تشكل العمود الفقري للقطاع؛ ففي فرنسا تمثل نحو 67٪ من الرحلات، و63٪ في إسبانيا، و52٪ في تركيا، مقابل 40٪ في البرتغال، مما يعكس أن المغرب يضيع فرصة تعزيز قاعدة الاستقرار السياحي عبر إهمال السوق الوطنية.
ومن الواضح أن الاستراتيجية الوطنية الحالية لم تواكب تطورات القطاع؛ إذ ركزت على استقطاب السياح الأجانب دون الاستثمار الكافي في تحسين جودة المبيت والخدمات الغذائية في الفنادق المصنفة، وهو ما يُعد إهدارًا للمال العام، ويزيد من شعور المواطنين بخيبة الأمل تجاه العروض السياحية الوطنية.
في ظل هذا الواقع، أصبح المواطن المغربي مختارًا بين دفع أسعار فلكية مقابل خدمات ضعيفة داخل بلاده، أو السفر إلى الخارج لتجربة سياحية أفضل بأسعار منطقية. وهذا التحول في سلوك المستهلك يشكل إنذارًا خطيرًا للقطاع السياحي المغربي، ويطرح ضرورة إعادة التفكير في سياسات التسويق والترويج، وفي كيفية إدارة الفنادق والمرافق السياحية لتقديم عروض حقيقية تحترم جودة الخدمة وسعرها.
إن إعادة بناء الثقة في المنتج السياحي الوطني تتطلب إصلاحًا شاملاً يشمل مراجعة أسعار الفنادق، تحسين جودة الإقامة والطعام، وتعزيز الترويج الداخلي للمواطنين، قبل التفكير في استقطاب المزيد من السياح الأجانب، وإلا فإن المغرب سيبقى في مرمى مقارنة مباشرة مع الوجهات الخارجية التي تقدم تجربة أفضل وأقل تكلفة، تاركًا السوق المحلية رهينة الفشل والإهدار المستمر للمال العام.





