شبكة نافذين بتازة تلتهم أراضي الدولة المخصصة للتنمية في الحي الصناعي

تتجه أنظار الرأي العام والمؤسسات الرقابية في المغرب نحو مدينة تازة التي تهتز على وقع فضيحة عقارية من العيار الثقيل، تُعرف بـ “ريع الحي الصناعي”، وتكشف عن شبكة منظمة من الفساد والاغتناء غير المشروع، تورط فيها منتخبون، برلمانيون، وشخصيات نافذة استفادت من أراضي الدولة على حساب التنمية الاقتصادية للمنطقة.
القضية لا تتعلق بـ “خلاف عقاري” عادي، بل هي نموذج لاستنزاف العقار العمومي المخصص للاستثمار الصناعي.
تفاصيل مخطط “ريع الحي الصناعي”: من الاستثمار إلى المضاربة
تكشف المعطيات المتوفرة، والتي أكدتها مصادر محلية وتقارير إعلامية، أن السيناريو المتبع من قبل النافذين يتكرر بأسلوب مكر واستغلال للنفوذ:
-
الاستفادة بأسعار بخسة: يحصل المتورطون على آلاف الأمتار المربعة من أراضي الدولة (التي تعود عملية توزيعها إلى نحو سنة 2009، حيث حُدد سعر المتر المربع بـ 35 درهمًا فقط، وهو سعر زهيد جداً)، وذلك بذريعة إقامة مشاريع استثمارية وصناعية تهدف إلى خلق فرص الشغل وإخراج المدينة من “الجمود الاقتصادي”.
-
خيانة الأمانة والتلاعب: بدلاً من الالتزام بـ “دفاتر التحملات” وتشييد المصانع، يتم تحويل طبيعة الأراضي بشكل فوري ومخالف للقانون. وتُحول هذه الأراضي إلى مستودعات للكراء، أو محلات تجارية، أو حتى مساكن فاخرة، في خرق واضح لغرضها الأصلي.
-
الاغتناء غير المشروع: يتم بعد ذلك بيع أو كراء هذه الأراضي، بعد التلاعب برسمها العقاري وتغيير طبيعة نشاطها، بـ ملايين الدراهم للمقاولين، مما يحقق للمتلاعبين أرباحاً فلكية على حساب المال العام والهدف التنموي.
وتشير بعض المعطيات إلى تورط سبعة برلمانيين في الاستفادة من أكثر من بقعة أرضية، إلى جانب أبنائهم، وعدد من المستشارين الجماعيين وأعضاء الغرف المهنية.
عمالة تازة تقود المواجهة: 39 دعوى قضائية لاسترداد الأراضي
في خطوة حاسمة لوقف هذا “النزيف الريعي”، تحركت عمالة إقليم تازة و شركة العمران (التي أشرفت على العملية بتنسيق مع السلطات المحلية)، لـ وضع حد لهذا الاستنزاف.
-
تحرك السلطات: أقرت السلطات المحلية بوجود تلاعبات بعشرات البقع، مؤكدة أن بعض المستفيدين قدموا ملفات متكاملة حول مشاريع وهمية للحصول على الموافقة.
-
النيابة العامة تتدخل: تم رفع ما يقرب من 39 إلى 47 دعوى قضائية ضد المتورطين والمتهمين بالتلاعب، بهدف فسخ العقود وسحب هذه البقع وإعادتها لوظيفتها الأصلية كوعاء عقاري لخدمة الاستثمار الجاد.
وتؤكد التقارير أن هذا التحرك يأتي بناءً على تعليمات واضحة من وزارة الداخلية بـ فتح تحقيق شامل في هذه الخروقات والتدقيق في جميع التراخيص الممنوحة، خاصة تلك المتعلقة بتغيير طبيعة النشاط، وذلك تنزيلاً لمقتضيات الخطاب الملكي الذي يدعو إلى التصدي للفساد.
إن ملف الحي الصناعي بتازة اليوم لم يعد شأناً محلياً، بل تحول إلى قضية وطنية تعكس حجم التحديات التي تواجه محاربة الفساد وريغ العقار بالمغرب، ويبقى القضاء أمام اختبار حقيقي لفك خيوط هذه الشبكة ومحاسبة النافذين المتورطين وإعادة الأراضي إلى مسار التنمية.






