سياسة

تقرير إخباري: أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين الجزائر والإمارات العربية المتحدة: تصعيد سياسي، قطع جوي، ومحاولة إدخال أطراف إقليمية

تشهد العلاقات بين المملكة المغربية و**الجزائر** من جهة، وبين الإمارات العربية المتحدة والجزائر من جهة أخرى، توترًا حادًا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية التقليدية، ليشمل أبعادًا سياسية، دبلوماسية، واقتصادية غير مسبوقة، أثارت تداعياتها ارتدادات على مستوى المنطقة العربية برمتها.

ويرتبط هذا التوتر بأكثر من عامل، من بينها مواقف سياسية صريحة للإمارات في دعم الوحدة الترابية للمغرب، ورسائل قوية من الرباط في القضايا العربية المشتركة، مقابل ردود فعل جزائرية تشي باندفاعات نَفَسَت خيبة سياسية واستراتيجية أكثر من كونها ردًّا عقلانيًا على تطورات العلاقات الإقليمية.

قرار إلغاء الرحلات الجوية: تصعيد ملموس

في خطوة لافتة، أعلنت شركة طيران الإمارات – أكبر ناقل جوي دولي – أنها ستوقف رحلاتها إلى الجزائر اعتبارًا من 3 فبراير 2027، بعد أن شرعت السلطات الجزائرية في إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية بين البلدين، ما يمثّل أحد أشد الإجراءات العملية تصعيدًا في العلاقات بين الجزائر والإمارات منذ سنوات.

الشركة أكدت أن الرحلات بين دبي والجزائر العاصمة ستستمر حتى التاريخ المذكور، داعية المسافرين إلى متابعة حجوزاتهم الحالية، لكنها في الوقت ذاته أوحت بأن مرحلة جديدة من العلاقات الجوية بين البلدين قد تكون نهائية ما لم تُعاد المفاوضات والتفاهمات سريعًا.

خلفية التصعيد: تصريحات تبون وتوجيه الاتهامات

تأتي هذه التوترات، جزئيًا، في ظل خطاب سياسي جزائري تصاعدي شنّه الرئيس عبد المجيد تبون، الذي وصف بعض الدول الخليجية بتعبيرات تسببت في استياء دبلوماسي واسع، في مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، ما أثار استنفارًا في الأوساط السياسية والإعلامية هناك، واعتُبر تجاوزًا غير مبرر من أعلى سلطة في الجزائر تجاه دولة صديقة وشريك اقتصادي واستراتيجي.

وقد اعتبر كثير من المراقبين أن هذه التصريحات تمثّل رد فعل انفعالي أكثر من كونها موقفًا دبلوماسيًا محسوبًا، وأنها جاءت متأثرة أكثر بـ”سعار سياسي” كردّ فعل أمام موقف الإمارات الصريح من قضايا تتعلق بالسيادة المغربية، خاصة في ما يتعلق بـالوحدة الترابية للمغرب وشرعيته في الصحراء المغربية.**

الإمارات والمغرب: شراكة استراتيجية متينة

لقد برزت الإمارات بوضوح شديد في مواقفها الداعمة لوحدة المغرب الترابية على المستويات السياسية والدبلوماسية، وتعبّر عن ذلك بوضوح في المنتديات الدولية، وفي تعاون اقتصادي وتجاري واسع يمتد لسنوات.

وفي المقابل، المغرب لا يتردد أيضًا في الاصطفاف مع الإمارات في قضاياها الحيوية في مجلس التعاون الخليجي والتحالفات الإقليمية، ما جعل العلاقة بين الرباط وأبوظبي نموذجًا للشراكة الاستراتيجية في مواجهة تحديات إقليمية معقدة.

هذه الشراكات الواضحة للسيادة والاحترام المتبادل، حسب محللين، “أزعجت” القيادة الجزائرية التي اعتمدت **اللهجة الصدامية بدل الدبلوماسية الراشدة، ومزجت السياسة الداخلية بالسياسة الخارجية، ما أدّى إلى *توتر غير مسبوق في العلاقات مع دولة كانت حتى الأمس القريب شريكًا اقتصاديًا مهمًا.

محاولات الجزائر إشعال فتيل أوسع

لم تقتصر الاستراتيجية الجزائرية على الطابع الثنائي، بل تشير مصادر سياسية إلى محاولات لجرّ أطراف إقليمية مثل المملكة العربية السعودية إلى صراع دبلوماسي أوسع، في محاولة لخلق تحالفات ضد سياسات الإمارات في المنطقة، وهو ما يرى مراقبون أنه محض حسابات معاكسة للمصالح العربية المشتركة، بل قد يسهم في تعميق الانقسامات بدلاً من تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.

تداعيات اقتصادية وإنسانية

وأظهرت التطورات الأخيرة أيضًا أن الخلافات السياسية ليست بلا تبعات اقتصادية أو اجتماعية، إذ أن:

  • وقف الرحلات الجوية سيؤثر على آلاف المسافرين والتبادل التجاري بين الجزائر والإمارات.

  • المستثمرون قد يعيدون تقييم شراكاتهم في ظل مناخ غير مستقر.

  • الشركات الناقلات قد تواجه صعوبات تشغيلية في ظل إلغاء الاتفاقيات.

قراءة تحليلية: أين الخطأ ومن المستفيد؟

يعتقد محللون أن الخطأ الأكبر يكمن في تحويل الخلاف السياسي إلى إجراءات اقتصادية مباشرة تؤثر على المواطنين والشركات، بدل استثماره في قنوات دبلوماسية راشدة.

ويرى آخرون أن التحالف الإماراتي-المغربي لا يمثل تهديدًا لأي دولة، بل يعزز من فرص استقرار المنطقة في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية المشتركة، وأن ما يجري هو في الأساس استجابة جزائرية لواقع استراتيجي عربي جديد يتطلب شراكات أكثر مرونة وتعاونًا.

الأزمة الحالية بين الجزائر والإمارات لا يمكن اختزالها في حادث طيران أو تصريحات صحفية، بل هي تعبير عن تحول في ميزان العلاقات الإقليمية:

  • الإمارات تنأى بنفسها عن التصريحات النارية، وتدافع عن مصالحها وشركائها.

  • المغرب يقف بوضوح إلى جانب شريكاته في القضايا المصيرية.

  • الجزائر تختار التصعيد بدل الدبلوماسية البناءة، وتحوّل خلافات سياسية إلى أزمة علاقات عامة ودبلوماسية.

وفي خضم هذا السياق، يبدو أن المنطقة العربية أمام اختبار جديد لقدرة أنظمتها على تجاوز الخلافات عبر الحوار والتفاهم، وليس عبر الخطابات التصادمية أو المحاولات التسقيطية التي تؤدي إلى إضعاف المصالح المشتركة وإشعال الانقسامات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى