برنامج “تقليص الفوارق” تحت مجهر مجلس الحسابات: مليارات تُصرف على الطرق… والعدالة الاجتماعية مؤجلة

في تشخيص صريح لا يخلو من لهجة نقدية، كشف المجلس الأعلى للحسابات أن “برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية”، الذي رُوّج له كرافعة لإنصاف العالم القروي والمجالات الهشة، انحرف في تنزيله عن أهدافه الجوهرية، ليتحول عمليًا إلى ورش واسع لصيانة الطرق، على حساب القطاعات الاجتماعية الحيوية التي يفترض أن تشكل جوهر العدالة المجالية.
الطرق تبتلع الميزانية… والصحة والتعليم في الهامش
التقرير الرقابي أبرز أن 71 في المائة من الغلاف المالي للبرنامج، الذي انطلق سنة 2017 بميزانية إجمالية تناهز 50 مليار درهم، وُجّه إلى قطاع الطرق والمسالك، في مقابل حصص هزيلة لقطاعات تُعد أساس تقليص الفوارق. فالصحة لم تتجاوز 3 في المائة، والكهرباء 4 في المائة، والتعليم 10 في المائة، بينما خُصص للماء 12 في المائة فقط. توزيع اعتبره المجلس غير منسجم مع رهانات تحسين الولوج إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية وتعزيز العدالة المجالية.
تعثر التمويل… والتزامات غير مكتملة
وعلى مستوى التمويل، سجل التقرير أن البرنامج تجاوز مدته الزمنية المحددة بين 2017 و2023، دون أن يحقق التزامًا ماليًا كاملاً من طرف جميع الشركاء. فإلى حدود متم 2023، بلغت الالتزامات 45,57 مليار درهم (94 في المائة من الغلاف الإجمالي)، لترتفع بشكل طفيف إلى 46,75 مليار درهم فقط إلى غاية يونيو 2025.
ورغم بلوغ نسبة الالتزام بالأداء 98 في المائة سنة 2025، فإن نسبة الأداء الفعلي لم تتجاوز 84 في المائة، ما يعكس فجوة مقلقة بين التعهد والتنفيذ. وسجل التقرير عدم وفاء عدد من المتدخلين الرئيسيين، من ضمنهم صندوق التنمية القروية، ووزارات المالية والتجهيز والماء والتربية الوطنية، إضافة إلى مجالس الجهات، مبررين ذلك بندرة الموارد المالية، مقابل وفاء وزارتَي الفلاحة والصحة بالتزاماتهما.
آلاف المشاريع… والإنجاز غير مكتمل
على مستوى الإنجاز، أحصى المجلس حوالي 11 ألف مشروع مبرمج، لم يكتمل منها سوى نحو 82 في المائة إلى غاية يونيو 2025، أي ما يقارب 9 آلاف مشروع، فيما ظلت البقية عالقة أو متعثرة، ما يطرح تساؤلات حول النجاعة والقدرة على استكمال الأوراش داخل آجال معقولة.
انتقاد حاد لإسناد الإشراف وضعف الكفاءة
ووجّه التقرير انتقادات لاذعة لإسناد تنفيذ مشاريع البرنامج إلى جهات تفتقر للقدرات التدبيرية والتقنية اللازمة، دون اعتماد معايير دقيقة تتعلق بالموارد البشرية أو الخبرة أو آليات التتبع. هذا الاختلال انعكس، بحسب المجلس، في نسب تنفيذ ضعيفة وتأخر ملحوظ، خصوصًا في المشاريع التي أشرفت عليها العمالات والأقاليم ومجالس الجهات، التي تولت مجتمعة الإشراف على 71 في المائة من المشاريع.
كما رصد التقرير ضعفًا كبيرًا في جودة الدراسات التقنية، بل وغيابها في بعض الحالات، ما أدى إلى سوء تقدير الكلفة، وتضخم الأشغال، وتعثر الإنجاز. وسُجل أيضًا الشروع في تنفيذ مشاريع دون تسوية وضعيتها العقارية أو استكمال التراخيص القانونية، الأمر الذي انتهى بتوقف الأشغال.
صيانة بدل البناء… ومرافق غير مستغلة
ورغم الخطاب الرسمي الذي يوحي بتوسيع الشبكات وبناء مرافق جديدة، أكد المجلس أن غالبية المشاريع المنجزة لا تتعدى أشغال صيانة وإعادة تأهيل، وليس إحداث منشآت جديدة، في تناقض واضح مع فلسفة البرنامج التي تقوم على “بناء الجديد لا ترقيع القائم”.
الأكثر إثارة للقلق، حسب التقرير، أن حوالي 8 في المائة من المشاريع المنجزة غير مستغلة أصلًا، بسبب غياب الموارد البشرية أو التجهيزات الأساسية، من بينها 188 بنية صحية وتعليمية مكتملة البناء لكنها خارج الخدمة، ما يفرغ الاستثمار العمومي من مضمونه الاجتماعي.
أثر محدود… وحكامة مهزوزة
وخلص المجلس الأعلى للحسابات إلى أن أثر البرنامج في فك العزلة كان أفضل نسبيًا في الجماعات التي لا تعاني أصلًا من حدة هذا المشكل، فيما استفادت الجماعات الأكثر هشاشة بدرجة أقل، وهو ما يناقض منطق الاستهداف. كما سجل محدودية واضحة في تحسين الولوج إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية مقارنة مع حجم الاعتمادات المرصودة.
إلى ذلك، انتقد التقرير ضعف آليات قياس الأثر، وهشاشة الحكامة، وغياب منظومة فعالة لتتبع تنفيذ التوصيات، إضافة إلى نقائص في نظام المعلومات وضعف الالتقائية بين المتدخلين، داعيًا إلى تصحيح الأعطاب البنيوية قبل إطلاق أي برامج مماثلة، حتى لا تتحول شعارات “تقليص الفوارق” إلى أرقام بلا أثر حقيقي على حياة المواطنين.






