قضايا

المجلس الأعلى للسلطة القضائية يدق ناقوس الإصلاح: لا هيكلة إدارية دون إطار قضائي متكامل للمحاكم

دخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية على خط النقاش المتعلق بإصلاح هيكلة المحاكم، معبّراً عن موقف واضح من مشروع المرسوم الذي أعدته وزارة العدل بشأن تحديد الهيكلة الإدارية للمحاكم، وذلك في سياق تنزيل مقتضيات المادة 22 من القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي.

وأكد المجلس، في رأيه المضمن ضمن تقريره السنوي لسنة 2024 المنشور بالجريدة الرسمية، أنه أخضع مشروع المرسوم لدراسة معمقة وشاملة، خلصت إلى تقديم جملة من الملاحظات والمقترحات الجوهرية، تروم تجويد النص التنظيمي وضمان نجاعته العملية، بما يخدم تحديث الإدارة القضائية، ويرتقي بجودة خدمات مرفق العدالة، انسجاماً مع مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وأوضح المجلس أن الهدف المعلن لمشروع المرسوم، والمتمثل في وضع إطار تنظيمي يؤطر الهيكلة الإدارية لكتابة الضبط وكتابة النيابة العامة بمختلف محاكم المملكة، يُعد خطوة إيجابية ومهمة في اتجاه الرفع من مردودية الإدارة القضائية وتأهيل مواردها البشرية. غير أنه شدد في المقابل على أن نجاح هذا الورش الإصلاحي يظل مشروطاً بإقران الهيكلة الإدارية بهيكلة قضائية واضحة ومؤطرة، بالنظر إلى الارتباط العضوي والتكامل البنيوي بين العملين القضائي والإداري داخل المحاكم.

وفي هذا السياق، ذكّر المجلس بأن القانون رقم 38.15 وضع بالفعل الأسس العامة للهيكلة القضائية، من خلال تحديد مكونات البنية القضائية للمحاكم، كالأقسام والغرف والهيئات، معتبراً أن مشروع المرسوم يشكل فرصة تشريعية سانحة لتدقيق هذه الهيكلة وتنظيمها بشكل محكم، بما يضمن الانسجام والتكامل بينها وبين الهيكلة الإدارية، ويسهم في تعزيز فعالية تدبير الشأن القضائي.

وسجّل المجلس أن الحاجة إلى تأطير الهيكلة القضائية تكتسي أهمية خاصة، باعتبار أن المحاكم مرافق عمومية تقدم خدمة أساسية للمواطن، وتتطلب إدارة حديثة قائمة على النجاعة والشفافية وتحسين جودة الخدمات، لاسيما في ظل التحولات العميقة التي تعرفها منظومة العدالة بالمغرب.

كما نبه إلى أن الارتفاع المتواصل في عدد القضايا وتشعبها، وما يرافقه من ضغط متزايد على القضاة والأطر الإدارية، يفرض اعتماد تنظيم عقلاني يراعي حجم الملفات وطبيعتها، ويُكرّس مبدأ التخصص القضائي كمدخل أساسي لتحسين الأداء وتسريع البت في القضايا.

وبناءً على هذه المعطيات، دعا المجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى أن يتضمن مشروع المرسوم، ضمن إطار تنظيمي موحد، كلاً من الهيكلة الإدارية والهيكلة القضائية للمحاكم، تحت مسمى جامع هو “هيكلة المحاكم”، بما يضمن وضوح الأدوار وتناسق الاختصاصات وتحقيق التكامل بين مختلف مكونات المحكمة.

ودعماً لهذا التوجه، قدّم المجلس تصوراً متكاملاً للهيكلة القضائية لمختلف أصناف المحاكم ودرجاتها، استناداً إلى مقتضيات قانون التنظيم القضائي، مع مراعاة ما أفرزه الواقع العملي من ممارسات فضلى وحاجيات فعلية لمنظومة العدالة. وفي هذا الإطار، اقترح إدخال تعديلات على مستوى الغرف أو الأقسام أو الهيئات، سواء عبر الإضافة أو التعديل أو التجميع، بحسب خصوصية كل محكمة وطبيعة القضايا المعروضة عليها.

وفي ختام رأيه، شدد المجلس على ضرورة توصيف مهام البنيات الإدارية للمحاكم بدقة ووضوح، خصوصاً مصالح كتابة الضبط وكتابة النيابة العامة، من خلال تحديد الاختصاصات وتوزيع المسؤوليات داخل النص التنظيمي، معتبراً أن ذلك من شأنه الحد من الاختلالات، وتحقيق التدبير الرشيد للموارد البشرية، وضمان السير السلس للأشغال، وتسريع وتيرة الخدمات المقدمة للمتقاضين، بما يعزز النجاعة القضائية وجودة العدالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى