سياسة

ارتباك الأغلبية الحكومية قبل 2026… تصريحات متضاربة وتحالف مهدد بإعادة التشكل

في خضم الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات التشريعية المرتقبة سنة 2026، تعيش مكونات الأغلبية الحكومية على وقع توتر سياسي متصاعد، يكشف عن اختلالات عميقة في التنسيق والتدبير، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى تماسك التحالف الذي يقود المرحلة الحالية. فبين خرجات إعلامية متناقضة، ومواقف سياسية متباينة، تبدو خارطة الطريق التي أعلنتها أحزاب الأغلبية وكأنها دخلت مرحلة “الضبابية السياسية”، في وقت حساس يتطلب وضوح الرؤية وتماسك القرار.

الأحزاب الثلاثة المشكلة للتحالف الحكومي، وهي حزب التجمع الوطني للأحرار، حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، وجدت نفسها في قلب جدل سياسي متسارع، بعد أن خرج قادتها بتصريحات متباينة حول أولويات المرحلة المقبلة، ما أعاد إلى الواجهة سؤال الانسجام داخل الأغلبية، ومدى قدرتها على استكمال ولايتها في ظل هذه التصدعات.

ازدواجية الخطاب… حكومة أم معارضة؟

أكثر ما أثار الانتباه في الآونة الأخيرة، هو ما وصفه متتبعون بـ”ازدواجية الخطاب السياسي” لدى بعض مكونات الأغلبية، خاصة حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال، اللذين باتا يضعان، وفق تعبير سياسي متداول، “رجلاً في الحكومة وأخرى في المعارضة”.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تدافع هذه الأحزاب عن حصيلة العمل الحكومي، خرجت قيادات منها بتصريحات تنتقد قطاعات وزارية، في مشهد يعكس ارتباكاً في تحديد الموقع السياسي، ويضعف صورة التحالف أمام الرأي العام.

نزار بركة… انتقادات من داخل البيت الحكومي

في هذا السياق، أثارت تصريحات نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، موجة من التفاعل، بعدما وجه انتقادات لعدد من القطاعات الحكومية، في خطوة اعتبرها مراقبون “غير منسجمة” مع موقعه داخل السلطة التنفيذية.
ويذهب البعض إلى أن هذه الخرجات تكشف عن محاولة مبكرة للتموقع السياسي قبيل الانتخابات، حتى وإن كان ذلك على حساب التضامن الحكومي.

غير أن المفارقة، حسب نفس المتتبعين، تكمن في أن القطاع الذي يشرف عليه بركة، أي وزارة التجهيز والماء، يواجه بدوره انتقادات حادة، خاصة في ما يتعلق بتدبير تداعيات الفيضانات الأخيرة، حيث يرى كثيرون أن الأداء لم يكن في مستوى تطلعات المواطنين، ولم يقدم حلولاً ملموسة بالسرعة والنجاعة المطلوبة.

تحالف في مهب الريح

التناقضات المتكررة بين مكونات الأغلبية لم تعد مجرد “اختلافات عابرة”، بل تحولت إلى مؤشر على أزمة ثقة داخلية، قد تعصف بتماسك التحالف في أي لحظة.
فغياب خطاب موحد، وتضارب التصريحات، يبعثان برسائل سلبية إلى الرأي العام، ويمنحان المعارضة هامشاً أوسع لمهاجمة الحكومة والتشكيك في قدرتها على تدبير الشأن العام.

الحاجة إلى تدخل سياسي عاجل

في ظل هذا الوضع، ترتفع أصوات داخل المشهد السياسي تدعو إلى تدخل عاجل من أجل إعادة ترتيب البيت الداخلي للأغلبية و الجلوس الى الطاولة قبيل إفتتاح الدورة التشريعية الربيعية الأخيرة للبرلمان، من خلال عقد لقاء سياسي رفيع يجمع قادتها لتوضيح الرؤية وتحديد الأولويات بشكل دقيق.
وفي هذا الإطار، يُطرح اسم محمد شوكي كأحد الفاعلين القادرين على لعب دور في تقريب وجهات النظر، وفتح نقاش صريح حول مستقبل التحالف.

هذا اللقاء، إن تم، سيكون حاسماً بين خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة الانسجام إلى الأغلبية عبر تنسيق فعلي ومسؤول، أو الشروع في التفكير في بدائل وتحالفات جديدة استعداداً لمرحلة ما بعد 2026.

ما بعد 2026… خريطة سياسية جديدة؟

كل المؤشرات الحالية توحي بأن الانتخابات التشريعية المقبلة لن تكون مجرد محطة عادية، بل لحظة مفصلية قد تعيد رسم الخريطة السياسية بالمغرب.
ففي ظل تراجع منسوب الثقة، وتزايد الانتقادات الموجهة للأداء الحكومي، تبدو فرضية دخول أحزاب من المعارضة الحالية إلى الحكومة المقبلة أمراً وارداً بقوة.

كما أن إعادة تشكيل التحالفات لن تكون محكومة فقط بنتائج صناديق الاقتراع، بل أيضاً بمدى قدرة الأحزاب على إقناع الناخبين ببرامج واضحة وواقعية، بعيداً عن الخطابات المتناقضة التي ميزت المرحلة الحالية.

سباق محموم نحو إعادة التموضع

ما يجري اليوم داخل الأغلبية يمكن قراءته أيضاً كجزء من سباق مبكر نحو إعادة التموضع السياسي، حيث يسعى كل حزب إلى تحسين موقعه التفاوضي قبيل الانتخابات، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف صورة التحالف ككل.
غير أن هذا الرهان قد يكون محفوفاً بالمخاطر، إذ قد يدفع الناخبين إلى معاقبة الأحزاب التي تبدو مترددة أو غير منسجمة في مواقفها.

بين الحسابات الحزبية وانتظارات المواطنين

وسط هذه التجاذبات، يظل المواطن المغربي الحلقة الأضعف، حيث ينتظر حلولاً ملموسة لمشاكله اليومية، بدل متابعة صراعات سياسية لا تنعكس إيجاباً على واقعه.
فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية، من غلاء المعيشة إلى تدبير الأزمات المناخية، تتطلب حكومة منسجمة وقادرة على اتخاذ قرارات فعالة، لا تحالفاً منشغلاً بحساباته الانتخابية.

 اختبار الحقيقة

في المحصلة، تقف الأغلبية الحكومية أمام اختبار حقيقي، قد يحدد مصيرها السياسي في السنوات المقبلة.
فإما أن تنجح في تجاوز خلافاتها وتقديم نموذج متماسك في التدبير، أو تستمر في حالة الارتباك، ما سيفتح الباب واسعاً أمام إعادة تشكيل المشهد السياسي بعد 2026.

وبين هذا وذاك، تبقى الأسابيع والأشهر المقبلة حاسمة، ليس فقط لمستقبل التحالف الحكومي، بل أيضاً لمستقبل التوازنات السياسية بالمغرب ككل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى