📜 سلهام العرش ورمز الوفاء: كيف شكّل لقاء الحسن الثاني والجماني الشرارة التاريخية لمغربية الصحراء ومسيرة الوفاء المتجددة

مع اقتراب الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، يتجدد الاحتفاء باللحظات الخالدة التي رسخت الوحدة الترابية للمملكة المغربية. في هذا السياق التاريخي والوطني العميق، تبرز قصة البيعة الصادقة والقرار المصيري الذي اتخذه الزعيم الصحراوي، الحاج خطري ولد سعيد الجماني، رئيس “الجماعة الصحراوية” (البرلمان المحلي في الصحراء الإسبانية آنذاك)، ودوره المحوري في إطلاق الشرارة التاريخية لاستكمال السيادة على الأقاليم الجنوبية. لم يكن لقاء الجماني بالملك الراحل الحسن الثاني مجرد لقاء بروتوكولي، بل كان إعلاناً سياسياً مدوياً ورمزاً للولاء، يمثل اليوم أساس الشرعية التي يتبناها المغرب ويؤكدها المجتمع الدولي بدعمه لمبادرة الحكم الذاتي.
I. البيعة التاريخية والشرعية القبائلية: الجماني والحسن الثاني
تعود جذور الرمزية التي يمثلها الحاج خطري ولد سعيد الجماني إلى عمق انتمائه لـ قبيلة الركيبات، إحدى أكبر وأقوى القبائل الصحراوية، وقيادته لـ “الجماعة الصحراوية” التي كانت بمثابة الهيئة التشريعية المحلية في المنطقة تحت الإدارة الإسبانية. ولد الجماني حوالي عام 1915 في منطقة لخصاص، وكان نضاله ضد الاستعمار سابقاً لانضمامه الرسمي للمغرب، حيث ربط الاتصال بجيش التحرير بعد الاستقلال، وظل على بيعة وولاء متواصلين للملوك العلويين، بدءاً بالملك محمد الخامس سنة 1956. هذه الخلفية القبلية والسياسية منحته وزناً لا يُستهان به في معادلة الصحراء قبيل الانسحاب الإسباني.
1. الاستقبال الحاسم في أكادير (4 نوفمبر 1975)
كانت اللحظة الأكثر تأثيراً هي الاستقبال التاريخي الذي خُصص للحاج خطري الجماني من طرف الملك الحسن الثاني في مدينة أكادير يوم 4 نوفمبر 1975، أي قبل يومين فقط من انطلاق المسيرة الخضراء. تميز هذا اللقاء بطابع رسمي وغير مسبوق، أكد فيه الملك الراحل بنفسه أنه استقبل الجماني بما يشبه استقبال الرؤساء، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا الانضمام.
عبارة الملك الخالدة: “لم يسبق لي أن استقبلت مغربياً كما استقبلتك.”
2. السلهام: رمز الوفاء والثقة السلطانية
كانت اللحظة التي تظل محفورة في الذاكرة الوطنية هي مبادرة الملك الحسن الثاني بخلع سلهامه (البرنوس) ووضعه على كتف الجماني. في الثقافة السلطانية والاجتماعية المغربية، تُعد هذه اللفتة أقصى درجات التعبير عن الرضا والتقدير والثقة المطلقة. لم يكن هذا السلهام مجرد هدية، بل كان رمزاً لتأكيد البيعة وتتويجاً لوطنية الجماني ووفائه للعرش. هذا المشهد شكل “ورقة الجوكر” التي لعبها الحسن الثاني، حيث قلب الموازين لصالح المغرب عالمياً، وأثبت أن أبناء الصحراء، عبر ممثلهم السياسي الأبرز، يختارون الانضمام الطوعي والبيعة للوطن الأم.
II. دور الجماني في إطلاق شرارة الوحدة
يُعتبر انضمام الحاج خطري سعيد الجماني إلى المغرب في هذا التوقيت الحرج هو العامل الحاسم الذي منح المسيرة الخضراء شرعيتها السياسية المكتملة.
- إسقاط الشرعية الإسبانية: بصفته رئيساً لـ “الجماعة الصحراوية”، الهيئة التشريعية التي كانت إسبانيا تعتمد عليها لإضفاء شرعية على وجودها، مثّل انضمام الجماني إلى المغرب إسقاطاً مباشراً للغطاء السياسي عن الوجود الاستعماري وعن أي محاولات لاحقة لخلق كيان انفصالي.
- تأكيد الروابط التاريخية: أكد الجماني، من خلال بيعته، أن العلاقة بين شيوخ القبائل الصحراوية وسلاطين المغرب لم تنقطع يوماً، بل هي امتداد لروابط تاريخية ودينية وولاءات لم تتأثر بالاستعمار. هذا الموقف عزز ملف المغرب في الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية.
- رمز التضحية والنضال: يُعد الحاج خطري رمزاً للوطنيين الصحراويين الذين آمنوا بمغربية الصحراء وعملوا سراً وعلناً مع جيش التحرير، مؤكدين أن الوحدة الترابية كانت مسألة نضال متواصل لسنوات طويلة سابقة على إعلان المسيرة الخضراء.
III. مسيرة الوفاء المتمددة
إن البيعة التي قدمها الحاج خطري الجماني للمغفور له الملك الراحل الحسن الثاني عام 1975 لم تكن نهاية المطاف، بل كانت بداية لمسيرة وفاء متجددة تتجسد اليوم تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله.
1. تجسيد الاندماج الوطني
تستمر الأجيال الجديدة من أبناء الصحراء وأحفاد المرحوم الحاج خطري سعيد الجماني في التعبير عن تشبثهم الراسخ بالعرش العلوي المجيد. هذا التشبث ليس مجرد شعارات، بل يترجم إلى انخراط فعال في بناء الدولة والمؤسسات. فالعديد من هؤلاء الأبناء والأحفاد يشغلون اليوم وظائف سامية ومسؤوليات كبرى في مختلف قطاعات الدولة، مدنية وعسكرية، محظوظين بـ ثقة ملكية سامية تعكس سياسة الاندماج الكامل التي تنهجها المملكة. هذا التمثيل الوازن في القرار الوطني هو أبلغ رد على مزاعم الانفصال.
2. الإرث الوطني وتأكيد الحكم الذاتي
اليوم، ومع احتفال المغرب بـ الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، فإن الإرث الذي تركه الحاج خطري يمثل حجر الزاوية للموقف المغربي الحالي. فبينما كان الجماني وزملاؤه يؤكدون البيعة للعرش، يُسجل مجلس الأمن الدولي حالياً في قراراته المتعاقبة بأن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي الإطار الجاد والواقعي وذو المصداقية لإنهاء النزاع المفتعل. هذا الدعم الدولي المتزايد هو تأكيد لصدق البيعة التي انطلقت شرارتها قبل نصف قرن.
3. الجماني في الذاكرة الشعبية
على صعيد آخر، وعلى الرغم من دوره القيادي العظيم، ارتبط اسم الحاج خطري سعيد الجماني في المخيال الشعبي المغربي بـ النكتة السياسية والاجتماعية التي راجت لسنوات طويلة. ويُفسر هذا الارتباط بأن عفوية الجماني وتلقائيته، كشيخ صحراوي، في سياق المراسم البروتوكولية للقصر الملكي، جعلته مادة خصبة للطرائف. ويُقال إن الملك الحسن الثاني نفسه كان حريصاً على سماع هذه النكات. يُنظر إلى هذه الظاهرة اليوم كجزء من الثقافة السياسية المغربية، حيث كانت النكتة أحياناً أداة للتعبير عن التلقائية الشعبية.
خلاصة القول: إن سلهام الوفاء الذي لُفَّ حول الحاج خطري سعيد الجماني في 1975 لم يكن مجرد لفتة عابرة، بل كان إعلاناً سيادياً أبدياً. ومع حلول الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، تظل قصة الجماني هي الدليل الحي على أن مغربية الصحراء هي حقيقة تاريخية راسخة، متجسدة ببيعة أهلها وشرعية ملوكها واعتراف الأجيال.






