مجتمع

ولاية أمن فاس تشن حربًا مفتوحة على فوضى الدراجات النارية في ليالي رمضان… حجز المئات وتعزيز الانتشار لضمان طمأنينة المواطنين

بدأت ولاية أمن فاس منذ الأسبوع الأول من شهر رمضان حملة أمنية واسعة ومكثفة تُعدّ حربًا غير مسبوقة ضد مظاهر الفوضى المرتبطة بالدراجات النارية التي تحوّلت -في السنوات الأخيرة- إلى عنصر مصدر إزعاج وخطر في عدد من شوارع وأحياء مدينة فاس، خاصة خلال الليل.

وفي ظرف لا يتجاوز اسبوع فقط من انطلاق الشهر الفضيل، أسفرت هذه الحملة عن حجز المئات من الدراجات النارية التي تم ضبطها في سياقة استعراضية خطيرة أو بدون وثائق قانونية، حتى امتلأ المحجز البلدي عن آخره، ما يعكس حجم الظاهرة وصرامة المقاربة الأمنية.

السياقة الاستعراضية مصدر قلق وتهديد للسكينة العامة

لطالما كانت ظاهرة السياقة الاستعراضية بالدراجات النارية تُؤرق الساكنة وتثير استياء الأسر، خصوصًا في ليالي رمضان، حيث تكثر الحركة بعد الإفطار. وتتحول بعض الشوارع إلى ما يشبه “حلبات مفتوحة” لصوت المحركات العالية والمناورات الخطيرة.

وكانت محاور مثل طريق 320 قرب الحي الجامعي سايس من أشهر بؤر هذه الظاهرة، إذ يتجمع فيها عدد كبير من سائقي الدراجات النارية ليلًا، ما يُحدث ضوضاء مزعجة، ويُعرّض سلامة مستعملي الطريق للخطر.

خطة أمنية متعددة الأبعاد

ردّت ولاية أمن فاس على هذه الظاهرة بخطة أمنية محكمة ومتماسكة، هدفها محاصرة الاستعراضات الخطيرة وردع السلوكيات المخالفة، وذلك من خلال عدة محاور:

1. انتشار ميداني مكثّف:
عززت ولاية الأمن دوريات فرقة الأمن للدراجين في الشوارع التي تعرف توافد الدراجات النارية ليلاً، إلى جانب تعزيز الدوريات التابعة للأمن الحضري والأمن العمومي، في إستراتيجية تتمركز على الحضور الدائم والفاعل في الميدان، وليس فقط الاستجابة للمواقف عند وقوعها.

2. إغلاق طرق استراتيجية:
في محاور حسّاسة، مثل الشارع المحيط بالمركب الرياضي وقرب قصر العدالة، تم تثبيت حواجز حديدية وإغلاق مسارات محددة خلال الليل، للحد من تجمعات الدراجات النارية في أماكن قد تتحول إلى منصات استعراضية.

3. التكنولوجيا في خدمة الأمن:
اعتمدت ولاية الأمن على سيارات شرطة مجهزة بكاميرات مراقبة متطورة، تم توظيفها لرصد المشاهد والاستعراضات الخطيرة في الزمن الحقيقي، ما أتاح تحديد هويات السائقين المتورطين، ووثّق المخالفات بشكل يمكن الاستناد إليه قضائيًا.

4. تكثيف الحملات الإدارية:
إلى جانب الحجز الفوري للدراجات المتورطة في حالات الاستعراض أو التي لم تتوفر على وثائق قانونية، تم تنظيم مراقبة دقيقة للبطائق الرمادية واللوحات، وفحص قانونية المعدات التقنية، والبحث عن تعديلات غير قانونية في شكل المركبات.

حصيلة الحملة: مئات المحجوزات وأثر ملموس في ميدان الأمن

أسفرت التدخلات الأمنية خلال الأيام الأولى من رمضان عن حجز مئات الدراجات النارية، ما جعل المحجز البلدي ممتلئًا بشكل غير مسبوق، في مؤشر واضح على أن الظاهرة كانت أوسع مما كان يُعتقد، وأن المقاربة الأمنية استطاعت أن تضع حدًا سريعًا لأسباب الفوضى.

وقد لوحظ منذ بداية الحملة انخفاض في تجمعات الدراجات في النقاط التي كانت تعرف استعراضات ليلية، وعودة الهدوء تدريجيًا إلى شوارع المدينة ليلاً، وهو ما تُجمع الساكنة على أنه ردع حقيقي لسلوكيات كانت تؤثر على جودة الحياة اليومية خاصة في رمضان.

أمن المواطن فوق كل اعتبار

تؤكد ولاية أمن فاس في بلاغاتها المتكررة أن طمأنينة الساكنة وسلامة المستعملين للشارع العام من أولويات لا تقبل التهاون، وأن أي سلوك تهوري أو مخل بالنظام العام سيتم التعامل معه بكل حزم وفق النصوص القانونية، سواء تعلق الأمر بالسياقة الخطيرة أو الاستعراضات أو عدم احترام قوانين السير أو الوثائق القانونية للدراجات.

وفي لقاء صحفي سابق لمسؤول أمني كبير، قال إن الحملة لا تستهدف فقط العقاب الصارم، بل أيضًا تغيير السلوك العام، وتوعية الشباب بخطورة السياقة الخطيرة، واحترام النظام العام، معتبرًا أن هذا التوازن بين الردع والتربية جزء من إستراتيجية ناجعة لضمان أمن الشارع.

دعم الساكنة وتعاون المجتمع المدني

ولم تكن هذه التدخلات مجرد عملية أمنية فحسب، بل تلقت دعمًا واضحًا من طرف الساكنة، خاصة في الأحياء التي كانت معاناة الضجيج وعدم النظام فيها أكثر حدة، حيث عبّرت عدد من الأسر عن ارتياحها لعودة الهدوء والتنقل الآمن، معتبرة أن هذه الحملة تُعيد لرمضان طابعه الروحاني، بعد سنوات من الإزعاج الليلي.

كما أعربت جمعيات محلية عن استعدادها للتعاون مع المصالح الأمنية في نشر الوعي حول مخاطر السياقة الاستعراضية، وتنظيم أنشطة بديلة خلال ليالي رمضان للشباب، لتوجيه طاقتهم في اتجاهات إيجابية تحترم النظام العام وتُعزّز روح المسؤولية.

استراتيجية أمنية ناجحة ورسالة واضحة

ما يحدث اليوم في شوارع فاس يُعد نموذجًا لنجاعة استراتيجية أمنية تجمع بين التدخل الميداني، والتقنيات الحديثة، والحضور الدائم في الشارع، والتنسيق بين الفرق المختلفة، لإعادة النظام والسكينة إلى الفضاء العام، وردع السلوكيات التي تُعرّض سلامة المواطنين للخطر.

وقد حملت هذه العمليات الأمنية رسالة واضحة: أن الشارع العام ليس حلبة للاستعراض، وأن احترام القانون وضوابطه جزء لا يتجزأ من الحق في العيش بكرامة في المدينة، وأن السلطات الأمنية مستعدة لاتخاذ كل الإجراءات القانونية اللازمة لحماية هذا الحق.

بين الحزم، والجرأة في التنفيذ، والتكامل بين مختلف عناصر الأمن، يبدو أن ولاية أمن فاس نجحت في إعادة ترتيب الأولويات الأمنية خلال رمضان، محققة أثرًا فوريًا في ميدان النظام العام، وأمان المواطنين، وطمأنينة الساكنة، بما يليق بمدينة ذات إشعاع حضاري وثقافي وتاريخي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى