وزارة الصحة في مواجهة “التمرد ”.. أزمة الأطباء تفضح فشل العدالة الصحية بالمغرب

تجد وزارة الصحة نفسها اليوم في قلب عاصفة حقيقية تهدد مشروعها لتحقيق العدالة الصحية بين المدن والقرى، بعدما تحوّل رفض مئات الأطباء الالتحاق بمناصبهم في المناطق النائية والجبال إلى ما يشبه “تمردًا أبيض” مفتوحًا، يكشف عمق أزمة توزيع الموارد البشرية وغياب الحوافز الجاذبة.
الأرقام صادمة: من أصل 400 طبيب جرى تعيينهم في هذه المناطق، لم يلتحق سوى 104 فقط، أي بنسبة لا تتجاوز 26%، بينما فضل الباقون تجاهل قرارات التعيين. وفي مباريات التوظيف السابقة المخصصة للعالم القروي، لم يتجاوز عدد الملتحقين الفعليين 19 طبيبًا من أصل 104 تم قبولهم، ما يعكس حجم الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.
أمام هذا النزيف، لوّحت الوزارة بإعادة تفعيل العقوبات التأديبية الصارمة، كما حدث في ملفات سابقة بمدينة طانطان، في محاولة لفرض الانضباط واستعادة هيبة القرارات الإدارية. لكن الأزمة أعمق من مجرد “عقوبات”، إذ ترتبط بضعف البنية التحتية الصحية، وغياب ظروف العمل اللائقة، وفشل السياسات التحفيزية.
وفي سعيها لإيجاد حلول عاجلة، تتجه الوزارة نحو خطوة مثيرة للجدل: تحويل المناصب المالية الشاغرة المخصصة للأطباء إلى ممرضين مجازين، لسد الخصاص في المراكز الصحية القروية وبعض المستشفيات الإقليمية، في وقت ما يزال فيه أكثر من 350 منصبًا ماليًا للأطباء العامين شاغرًا هذا العام. كما تدرس خيار فرض الخدمة المدنية الطبية الإلزامية، وهو إجراء قد يواجه مقاومة شديدة من الجسم الطبي.
الأزمة تكشف أن العدالة الصحية في المغرب ما زالت بعيدة عن التحقق، وأن سياسات الترقيع لن تعالج “الصحاري الطبية” التي تعيشها مناطق بأكملها. المطلوب اليوم ليس فقط إلزام الأطباء، بل إعادة هيكلة جذرية للمنظومة، توفر البنية، والتجهيز، والتحفيز، حتى لا تتحول شعارات العدالة الصحية إلى مجرد وعود معلقة في الهواء.






