وزارة الصحة تحت مجهر الفوضى.. حكومة أخنوش تتلكأ، ووزير الإنتاجية يتيه في دهاليز “المداخيل”

تستمر حكومة عزيز أخنوش في تقديم الدليل تلو الآخر على عجزها المستمر في تدبير ملف الصحة، هذا القطاع الحيوي الذي يُفترض أن يشكل أولوية في أي سياسة عمومية مسؤولة. فقد تأجل مرة أخرى مشروع المرسوم رقم 2.25.615 المتعلق بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، خلال مجلس الحكومة المنعقد يوم الخميس 24 يوليوز، دون تحديد موعد لاحق، رغم أن النص بحسب الوزير الوصي جاهز وتمت مناقشته في البرلمان. التأجيل ليس تقنيًا كما يحاول بلاغ الناطق الرسمي أن يوهم الرأي العام، بل هو علامة على عمق الارتباك المؤسساتي والتخبط في مقاربة هذا الورش الاستراتيجي.
الوزير المعين على رأس قطاع الصحة، أمين التهراوي، لا يملك في رصيده أي خلفية مهنية أو علمية في المجال الصحي، بل أتى من عالم الأرقام والمالية ليطبق منطق السوق والإنتاجية على قطاع لا يُقاس بالربح والخسارة، وإنما يُقاس بعدد الأرواح التي تُنقذ، وبعدد المرضى الذين يُعالجون، وبكرامة المواطن في لحظات ضعفه ومرضه. الوزير يتحدث عن “المردودية” كما لو كنا بصدد تسيير شركة أو سلسلة متاجر، ويُكثر من الكلام عن الهيكلة والتدبير الحديث والحكامة و الصفقات، لكنه لم يقدم للمغاربة أي تصور عملي لإنقاذ مستشفيات تنهار، وأطر طبية تهاجر، ومرضى ينتظرون الموت في صالات الانتظار.
إن هذا المشروع التنظيمي، الذي يُفترض أنه سيساهم في إصلاح هيكلة الوزارة ومواكبة المؤسسات الجديدة كالمجموعات الصحية الترابية والهيئة العليا للصحة، أصبح مجرد وثيقة تتقاذفها مكاتب الحكومة دون حس استعجال، بينما الواقع الصحي في البلاد يزداد تأزمًا. فكيف لحكومة تتحدث عن تنزيل ورش الحماية الاجتماعية أن تفشل في إصدار مرسوم أساسي لتنظيم وزارة مركزية؟ أين التنسيق، وأين الرؤية، وأين الانسجام الذي يفترض أن يُميز العمل التنفيذي؟
منذ تعيين هذه الحكومة، لم يشهد قطاع الصحة سوى الخطابات، والوعود المؤجلة، والمبادرات التي لا تتجاوز الورق. لا سياسة دوائية واضحة، لا خارطة مستشفيات وطنية متكاملة، لا خطة استباقية لتكوين الأطر وتوزيعها جهويا، ولا أي تحرك حقيقي لتحسين البنية الاستشفائية المهترئة في الهوامش والمناطق القروية. بل إن الحكومة فشلت حتى في التواصل بصدق مع الرأي العام، إذ تقدم تأجيل هذا المرسوم كما لو أنه مسألة بسيطة، بينما هو في الواقع عنوان للفشل المؤسساتي في تدبير أحد أهم قطاعات الدولة.
جلالة الملك محمد السادس، في خطبه المتكررة، دعا إلى بناء دولة اجتماعية تجعل من الصحة والتعليم ركيزتين أساسيتين، لكن حكومة أخنوش تقابل هذا التوجيه الملكي بنوع من البلادة السياسية، وكأن الأمر لا يعنيها. إنها حكومة لا تملك الحس الإنساني ولا العمق الاجتماعي لفهم أولوية هذا القطاع، ولا تملك الجرأة لتعيين كفاءات ميدانية تقود الإصلاح من قلب المعاناة، وليس من مكاتب مكيفة.
الواقع أن أزمة الصحة اليوم في المغرب ليست تقنية، بل سياسية. أزمة اختيارات، وأزمة رجال، وأزمة تصور شامل. ما الجدوى من خلق وكالات وهيئات صحية جديدة إذا كانت الوزارة الأم عاجزة عن ترتيب بيتها الداخلي؟ ما الفائدة من الكلام عن الرقمنة، والحكامة، وتحسين جودة الخدمات، إذا كانت الأدوية منعدمة، والمواعيد مؤجلة بالأشهر، والأطباء يستقيلون جماعيًا؟
حكومة أخنوش تبدو وكأنها تدير ملف الصحة من منظور الميزانية والربح، لا من منظور الحق والكرامة. وهذه المقاربة لا يمكن إلا أن تُنتج المزيد من الفشل، وتُعمق الهوة بين المواطن ومؤسساته. في الوقت الذي تنهار فيه المنظومة الصحية، لا نرى تحركًا طارئًا، لا إعلانًا عن حالة استنفار، لا تعبئة وطنية، لا شيء سوى التأجيل، والانتظار، والبلاغات المعقمة.
إن المغاربة اليوم لا ينتظرون من الحكومة دروسًا في “الإنتاجية”، بل ينتظرون من ينقذهم من الانتظار الطويل، ومن يضمن لهم حبة دواء في المراكز الصحية، وسريرًا في المستشفيات، وتعاملًا إنسانيًا يليق بكرامتهم. لكن يبدو أن هذه الحكومة تُتقن لغة السوق أكثر مما تُتقن لغة الإنسان.






