وزارة التربية الوطنية تُمهّد لفضيحة إدارية جديدة… والتعليم العمومي بالمغرب في قعر التصنيف العالمي

قالت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إن مشاكل قطاع التعليم بالمغرب ليست مجرد اختلالات تقنية أو إجرائية، بل هي أزمة سياسية بامتياز، ناتجة عن غياب الإرادة الحكومية الحقيقية لتنفيذ ما تمّ التعهّد به أمام النقابات والرأي العام.
وأوضحت النقابة، خلال مداخلتها بجلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أنّ توقيع الـنظام الأساسي لهيئة التعليم كان يُفترض أن يكون “خطوة نحو إنصاف رجال ونساء التعليم”، لكن ما يزال بعده شهور ولم يتحقّق شيء يذكر، ما أضرّ بعمق مصداقية الحكومة وأعاد إنتاج سياسات أدخلت المنظومة التعليمية في أزمة هيكلية.
وأضافت أن الحكومة تتحدّث عن إصلاح المدرسة العمومية، لكنها في الواقع “تهمل العاملين والعاملات بها، وتتركهم يعيشون تحت ضغط نفسي ومهني غير مسبوق”. كيف يُطلب من المدرس أن يكون مبدعاً ومتجدّداً في القسم، في حين أن الحكومة هي التي تمعن في تهميشه وتفقده الثقة في مؤسسات الدولة؟
وانتقدت النقابة تفريش هيئة التدريس بأعباء إدارية ثقيلة دون تحفيز ولا تقدير، في حين تمارس الحكومة “سياسة التسويف والانتظار”. وقالت إنّ الشغيلة التعليمية لم تعد تنتظر الوعود بل ترغب في أن تُترجم الالتزامات إلى قرارات ملموسة، وعلى رأسها “صرف فوري للتعويضات التكميلية، التطبيق الفعلي لتخفيف ساعات العمل، ووضع جدول زمني محدد لتنزيل باقي بنود النظام الأساسي”.
وأكدت أن “الحوار الاجتماعي” تحوّل إلى واجهة شكلية لتبرير القرارات الحكومية، في حين أن الحوار الحقيقي هو الذي يُفضي إلى نتائج ملموسة وليس إلى بلاغات ووعود. واعتبرت التماطل في تطبيق مقتضيات الحوار الاجتماعي “استفزازاً للشغيلة التعليمية، وتهديداً للسلم الاجتماعي داخل المؤسسات التعليمية”.
وشدّدت النقابة على أن قطاع التعليم “يسير بمقاربة محاسباتية ضيقة، ولا يمكن أبداً إصلاحه مادام ظلم وتهميش أطر التدريس مستمرّاً. لذلك لا بدّ من قرارات سياسية شجاعة تعيد الاعتبار لرجال ونساء التعليم، وتؤكد أن التعليم العمومي أولوية وطنية، وليس شعاراً انتخابياً يُرفع في المناسبات.”
فضيحة في الأفق: مدارس “الريادة” تذكّر بـ “البرنامج الاستعجالي”
هنا تأتي الإدانة الأشدّ: يبدو أنّ وزارة التربية الوطنية – تحت رئاسة سعد محمد برادة – يتّجه نحو فضيحة جديدة في ما يُعرف بـ “مدارس الريادة”، على غرار ما حصل سابقاً مع “البرنامج الاستعجالي” للتعليم. فبدل أن يتمّ الاستفادة من دروس الماضي، نرى الحكومة تفتتح فصولاً لم تتهيّأ بشكل كافٍ، وتعلن مشاريع لم تُرفقها بخطة تنفيذ واضحة، أو آليات محاسبة شفافة. إن تجاهل وزارة التربية الوطنية لتطبيق التعهّدات وتحويلها إلى واقع ملموس يعيد ذهن المواطن إلى تلك القصة التي بدأت بتصريحات براقة وانتهت بتطنيش وتأجيل.
إنّ ما يقلق هو أن هذا “البرنامج الريادي” الجديد يبدو ـ من الآن ـ أنه نسخة مطابقة للبرنامج السابق من حيث الإنطلاق المهيب والعجز في المتابعة والتقييم، مما يشي بأن “الريادة” ستكون ريادة في التأجيل والتخبط لا في التميّز.
الترتيب العالمي للمنظومة التعليمية المغربية: القعر لا يُخفى
-
أظهرت نتائج الـ Global Knowledge Index لعام 2024 أن المغرب حلّ في المرتبة 98 من أصل 141 دولة، بحصوله على 42.8 نقطة، أقل من المعدّل العالمي (47.8).
-
في التعليم ما قبل الجامعي: المرتبة 93.
-
في التعليم العالي: المرتبة 100 تقريباً.
-
-
مؤشر Global Education Index وضع المغرب في المرتبة 154 من أصل 218 دولة لعام 2024.
-
أما التقييم الدولي لـ Higher Education، فقد أشار إلى أن أقوى الجامعات المغربية تقع تحت المرتبة “+1000” عالمياً.
باختصار، عندما تتباهى وزارة التربية الوطنية اليوم بمشاريع “ريادية”، فإنها تفعل ذلك في سياق منظومة تعليمية مستنزفة ومهدّدة بهوية وطنية، تُظهر أرقامها أنها في “المؤخرة”.
إنّ ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة تنظيم أو تأخير في التنفيذ، بل هو جريمة سياسية – تضع أجيالاً كاملة تحت طائلة اللاّاستثمار والتجريب المؤجل. وزير التربية الوطنية سعد محمد برادة يقود وزارة تغيب عنها القدرة أو الرغبة في التحویل إلى واقع بدل التصريحات.
وعندما يُعلنت “مدارس الريادة” كحلّ استعجالي، يُذكّرنا ذلك بما سبق: واجهات براقة، وعجزٌ في التطبيق، وانتهاكٌ لتعهّدات تمّ توقيعها في أروقة رسمية ثم رُميت في الأدراج.
ولعلّ الرسالة الأهمّ هي: إذا لم تُترجم التعهّدات إلى قرارات فورية، وإذا لم تُحاسب السلطات المعنيّة بلا مواربة، فلن تكون “ريادة” غير كلمةٍ تُضاف إلى سجل الفشل.






