“وزارة الأبنية لا الصحة”: ميزانية قياسية لبناء المستشفيات المهجورة على حساب المريض والموظف!

يبدو أن وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، يُصر على تغليب “وزارة الأبنية” على “وزارة الصحة” الحقيقية. ففي الوقت الذي كشف فيه عن ميزانية غير مسبوقة لعام 2026 بلغت 42.4 مليار درهم، أكد الوزير أن الأولوية القصوى ستظل لتسريع بناء وتجهيز المستشفيات الجامعية والجهوية ومراكز تحاقن الدم، وكأن أزمة المنظومة الصحية تكمن فقط في نقص الخرسانة والحديد، لا في الإهمال المزمن للمريض والموظف!
إن تخصيص مليارات الدارهم لتشييد مستشفيات جديدة (كتجهيز ابن سينا بالرباط، ومواصلة بناء مراكز بني ملال وكلميم والرشيدية)، وبرمجة إصلاح وتجديد 90 مستشفى قائمة بـ 1.32 مليار درهم، يثير تساؤلات حارقة حول مصير هذه المنشآت بعد تدشينها. فالتاريخ القريب يشهد على أن العديد من المستشفيات والمراكز الصحية في مناطق مختلفة أصبحت هياكل ضخمة معرضة للنسيان والإهمال، لا لشيء إلا لأن الوزارة تتجاهل العمود الفقري لأي منظومة صحية: الموارد البشرية والمواد البيوطبية والأدوية.
إن الخطاب الحكومي يركز على إضافة 2440 سريراً جامعياً جديداً، لكنه يتناسى أن هذه الأسرة ستظل خالية أو بلا فائدة إذا لم يُصاحب البناء تأهيل شامل وحقيقي للطبيب والممرض والإداري، وضمان توفر المواد البيوطبية الضرورية والأدوية دون انقطاع. فالمريض الذي يعاني اليوم في طوابير المستشفيات لا ينتظر وعداً بمستشفى جديد بعد خمس سنوات، بل ينتظر علاجاً فورياً ومحترماً في المؤسسات القائمة.
كما أن هذا التضخيم في ميزانية البناء يغفل المشكل الأساسي وهو غياب الحكامة والمواطنة داخل المستشفيات. فالمريض مازال يدخل في رحلة بحث مضنية عن العلاج، وغالباً ما يُترك ينتظر لساعات طويلة بلا جدوى، نتيجة لتراكم الأعطاب الإدارية وغياب الرقابة والمساءلة. إن صرف المليارات على البضاء دون تنزيل حقيقي للحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة هو إهدار للمال العام لا إصلاح للمنظومة.
إن مجرد تخصيص 617 مليون درهم لتغطية 1500 منصب مالي جديد لا يتناسب أبداً مع حجم الخصاص المهول في الأطر الصحية الذي تعاني منه المستشفيات اليوم. إن بناء المستشفيات وتركها عرضة للنسيان والإهمال، كما هو الحال في عدة مناطق، ليس هو الحل. فوزارة الصحة ليست وزارة للمقاولات والمشاريع العقارية، بل هي وزارة لإنقاذ الأرواح وتوفير الكرامة الصحية للمواطنين. يجب على الوزير التهراوي أن يصحح أولوياته: صحة المريض وكفاءة الموظف تسبق جودة الخرسانة وزخرفة الواجهات.






