ورشة الدعم المباشر في المغرب.. مشروع ملكي بطموحات كبرى يواجه مؤشرات إقصاء مقلقة

في الوقت الذي تسعى فيه الدولة المغربية إلى تنزيل شامل ومتدرج لورش الحماية الاجتماعية، عاد الجدل مجددًا حول فعالية هذا المسار ومدى عدالته، بعد أن بدأ آلاف المواطنين، خاصة من فئة المرضى المزمنين، يكتشفون أنهم باتوا خارج دائرة التغطية الصحية رغم توفرهم سابقًا على بطاقة “راميد”، التي كانت تضمن لهم الولوج إلى العلاج والاستشفاء المجاني.
الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، وفي رده أمام مجلس المستشارين اول أمس الثلاثاء، أكد أن ورش الدعم الاجتماعي المباشر يُعد ركيزة أساسية ضمن مشروع ملكي متكامل يسير وفق أجندة دقيقة، مشددًا على أن هذا الورش يشكل “حلقة إضافية تنضاف إلى سلسلة من المبادرات الملكية الرامية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وصون كرامة المواطن المغربي”.
وأوضح لقجع أن النظام الجديد، الذي يعتمد على السجل الاجتماعي الموحد، جاء لتعويض المقاربة القديمة المبنية على الوثائق الإدارية، عبر آلية تقييم ترتكز على معطيات دقيقة تحدد درجة استحقاق الأسر للدعم، مؤكداً أن هذا التقييم ليس نهائياً بل يخضع لتحيين مستمر، يمكن من خلاله إدخال أو إخراج مستفيدين حسب تطور أوضاعهم الاجتماعية.
غير أن هذه الآلية الرقمية، التي وُعد المغاربة بأنها ستكون أكثر عدالة وشفافية، بدأت تكشف عن اختلالات ميدانية صارخة، حيث تم إقصاء آلاف المغاربة الذين يعانون من هشاشة مزمنة من منظومة “أمو تضامن”، رغم أنهم كانوا في السابق من مستفيدي بطاقة “راميد” على أسس شرعية واستحقاقية.
مرضى مزمنون خارج التغطية.. مصير مجهول في المستشفيات
المعطى الأخطر في هذا التحول هو أن فئات واسعة من المواطنين المصابين بأمراض مزمنة وجدوا أنفسهم خارج أي تغطية صحية، ما جعلهم في مواجهة مصير مجهول، تتقاذفهم ممرات المستشفيات العمومية، في وقت يتطلب فيه وضعهم تدخلًا استشفائيًا منتظمًا ومستعجلاً.
ويُحمّل متتبعون المسؤولية للمؤشر المعتمد في تحديد المستفيدين من “أمو تضامن”، والذي أظهر، في حالات متعددة، عدم دقته وابتعاده عن الواقع المعيشي لفئات هشّة تحتاج إلى دعم طبي دائم. هذا ما يستدعي، حسب الفاعلين الاجتماعيين، مراجعة منهجية التصنيف وتكييفها مع خصوصية الحالات، خصوصًا أن الدعم الاجتماعي المباشر لا يمكن أن يكون مبررًا لإقصاء المواطنين من الحق في العلاج، بل يجب أن يُوازيه ضمان للولوج العادل إلى الخدمات الصحية.
إشكالية التنسيق بين الدعم المادي والتغطية الصحية
ويؤكد الخبراء أن أحد أبرز مكامن الخلل في هذا المشروع يكمن في غياب الربط الواضح بين منظومة الدعم الاجتماعي النقدي وبرنامج “أمو تضامن”. إذ من غير المعقول أن يتم اعتبار أسرة مستحقة للدعم النقدي الشهري بينما تُحرم في الآن نفسه من التغطية الصحية. هذا التناقض الصارخ يثير تساؤلات حول فلسفة المشروع وجدواه الاجتماعية على المدى البعيد.
دعوات لمراجعة المؤشر وتصحيح المسار
في ظل هذا الوضع، تتعالى الدعوات إلى إعادة النظر في آلية المؤشر المعتمد، وربطه بشكل مباشر وشفاف بمختلف برامج الدعم، بما فيها التغطية الصحية، مع الأخذ بعين الاعتبار الحالات الاجتماعية المعقدة، خصوصاً المرضى، الأرامل، المسنون، والأسر بدون دخل قار.
كما يُنتظر من الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، التي أكد الوزير لقجع أنها مؤسسة استراتيجية ومستقلة، أن تلعب دورها الكامل في تصحيح مسار الاستهداف، بعيداً عن منطق الأرقام الصماء، لضمان إنصاف فعلي لكل مواطن يعيش في وضعية هشاشة.
مشروع استراتيجي على مفترق الطرق
ورغم النوايا النبيلة التي يؤطرها التوجه الملكي لإرساء منظومة حماية اجتماعية شاملة، إلا أن تنزيل هذا الورش يواجه اختبارات جدية على أرض الواقع. فالمؤشرات الميدانية الحالية تُظهر خللاً في الاستهداف وتفاوتًا في الاستفادة، ما يهدد بنسف الثقة في هذا الورش إن لم يتم تدارك الأمر بسرعة وبشكل شفاف.
المطلوب اليوم ليس فقط الالتزام بخطاب العدالة الاجتماعية، بل ضمان تفعيلها فعلياً وبلا إقصاء، عبر آليات أكثر دقة وإنسانية، تنصف الفئات الأكثر هشاشة، وتعيد للمواطن البسيط ثقته في الدولة ومؤسساتها.






