هل تحاول الحكومة الإجهاز على المجلس الوطني للصحافة؟ سياسة التعيينات تهدد استقلالية القطاع وتعيده لمنطق الأحزاب

شهدت لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، أمس الاثنين، نقاشًا ساخنًا حول مشروع القانون رقم 26.25 لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وهو المشروع الذي أثار جدلاً واسعًا بين فرق الأغلبية والمعارضة، ليس فقط من حيث مضامينه القانونية، بل في ما يكشفه من توجّه حكومي قد يرمي إلى إعادة فرض منطق التعيينات والهيمنة الحزبية على قطاع يفترض أن يكون معقلًا للديمقراطية والشفافية.
في الوقت الذي دافعت فيه الأغلبية البرلمانية عن المشروع باعتباره خطوة ضرورية لتعزيز التنظيم الذاتي للصحافة وضمان استقلاليتها، أبدت المعارضة تحفظات جذرية على النص، معتبرة أن بعض بنوده تشكل تهديدًا مباشرًا للتعددية وتفتح الباب أمام “خنق” حرية الصحافيين، خصوصًا عبر إدخال مندوب حكومي يمتلك صلاحيات تأديبية داخل المجلس.
هذا التوجه يثير أكثر من تساؤل: هل القطاع الصحافي يتحول إلى ساحة تعين فيها الأحزاب قادتها ومسؤوليها،عبر محور الرباط الدارالبيضاء و إقصاء جميع الجهات ويتراجع دور التصويت المباشر والشفافية التي كانت ميزة أساسية في تنظيمه؟ هل نحن أمام محاولة لإعادة قانون المجلس الوطني للصحافة إلى منطق الريع السياسي، بدلًا من جعله قطاعًا ديمقراطيًا مستقلًا يخضع لإرادة المهنيين ومبادئ الحوكمة الرشيدة؟
لا يمكن إغفال أن القطاع يعاني من فوضى واضحة، لكن ما كان مميزًا في السابق هو إدارتها ضمن منظومة قانونية شفافة تحت إشراف وزارة الاتصال، التي تمكنت إلى حد بعيد من ضبط الإيقاع وضمان سير المؤسسات الإعلامية بشكل معقول ومنظم. أما اليوم، ومع مشروع القانون الجديد، يبدو أن إرادة السيطرة السياسية تسود، متسلحة بتعيينات تعيد نفس نمط الريع والمحاصصة، وتغذي التوترات داخل الجسم الصحافي.
ردود فعل فرق المعارضة، من الاشتراكي إلى الحركي والعدالة والتنمية، تلخص المخاوف الحقيقية: غياب التشاور الكافي، وضعف ضمانات استقلالية المجلس، وتحويله إلى أداة تنفيذية تخضع لوزير الثقافة والشباب والاتصال، ما يهدد بإضعاف دور الصحافيين وحمايتهم القانونية.
في هذا السياق، يبرز التساؤل الحارق: هل تعي الحكومة خطورة هذا التوجه الذي قد يودي بقطاع الصحافة إلى مزيد من التبعية والتراجع عن المكتسبات التي ناضل من أجلها الإعلاميون؟ وهل تبقى حرية التعبير والاستقلالية مجرد شعارات بينما الواقع يعكس منطق التعيينات والمحسوبية؟
الواقع يقول إن القطاع بحاجة إلى إصلاح حقيقي يرتكز على الديمقراطية والمشاركة الحقيقية للمهنيين، لا إلى مزيد من التدخلات الحكومية التي تحاول فرض رؤى ضيقة تجهض استقلالية الإعلام المغربي. فهل ستسمح القوى السياسية والمهنية لهذه المحاولات بالتمرير، أم ستقف صفًا واحدًا للدفاع عن حرية الصحافة والمجلس الوطني كفضاء يعبر عن إرادة الصحافيين فعلًا؟ الأيام القادمة ستكون حاسمة في الإجابة.






