هجوم انتخابي مبكر: أحزاب المغرب تخرج من جحورها وتُطلق معركة السيطرة على الشارع

في استعراض غير بريء للقوة والوجود، خرجت الأحزاب السياسية المغربية نهاية هذا الأسبوع من حالة السكون لتُعلن، وبشكل واضح، دخولها مرحلة التعبئة الانتخابية المبكرة، وسط مشهد سياسي محتقن وساخن، تتسارع فيه وتيرة الإعداد للانتخابات التشريعية المقبلة. كل حزب حمل أجندته، وأطلق أذرعه التنظيمية نحو الساحات، في ما يشبه عملية جس نبض للشارع ومحاولة احتلال المساحات قبل اشتعال المعركة الكبرى.
من أكادير، أطلق حزب التجمع الوطني للأحرار، قائد الحكومة الحالية، رابع حلقات سلسلة لقاءاته الترويجية المسماة بـ”مسارات الإنجازات”، برئاسة زعيمه عزيز أخنوش. لقاء سياسي وُصف بـ”الإنزال الثقيل”، حضره بحسب رواية الحزب حوالي خمسة آلاف مشارك. لكن خلف الأرقام والاستعراضات، بدا واضحاً أن الحزب يُدشّن مبكراً حملته الانتخابية المقنّعة، حيث لم يكن اللقاء سوى مناسبة لترديد “منجزات” الحكومة والدفاع عن أدائها، وسط خطاب أراد أصحابه أن يقدّموا صورة الحزب القوي، المسيطر، والواثق من موقعه في المشهد السياسي.
الرسائل كانت موجهة، والصورة محسوبة: حزب الأحرار يُعبّر عن تمسّكه بمفاصل الحكم، ويريد استباق الضربات التي قد تأتي من خصومه السياسيين أو من الشارع الذي يعيش حالة غليان اجتماعي متزايد.
في الجهة المقابلة، وفي مدينة فاس، اختار حزب العدالة والتنمية أن يُطلق بدوره أولى طلقاته التنظيمية، عبر انعقاد المؤتمر الجهوي لتجديد المكتب الجهوي لجهة فاس مكناس. المناسبة التي حضرها الأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران، تحولت إلى منبر مفتوح لتفجير القنابل السياسية في وجه الحكومة.
بنكيران، كالعادة، لم يُهادن، وأطلق العنان لكلماته النارية، مستحضراً “الفشل الحكومي”، ومتحدثاً عن معاناة المواطنين و”انفصال الحكومة عن نبض الشعب”. ولم يفته أن يجرّ الحاضرين إلى قضايا دولية حساسة، من حروب الشرق الأوسط إلى النزاعات الدولية، في خطاب أراد من خلاله الظهور بمظهر الحزب الذي يحمل “رؤية أخلاقية وسياسية تتجاوز حدود البلاد”.
لكن المثير أن التغيير التنظيمي، الذي جاء تحت لافتة “ضخ دماء جديدة”، لم يُفضِ سوى إلى إعادة إنتاج نفس الوجوه، وكأن الحزب لا يزال أسير نخب تقليدية لم تُفلح حتى اليوم في تقديم عرض سياسي جديد بعد نكسة 2021.
أما الرباط، فشهدت تحركاً بارزاً من طرف حزب الاستقلال، الذي قاد تجمعاً ضخماً في إطار الجمع العام للاتحاد العام للفلاحين، ذراعه النقابي بالعالم القروي. نزار بركة، الأمين العام والوزير بحكومة أخنوش، ظهر كمخاطب للفلاحين ومدافع عن قضاياهم، لكن نبرته حملت كثيراً من “الانتقاد غير المباشر” للحكومة التي يُشارك فيها، في ما بدا أنه لعب على حبلين: البقاء في صف الحكومة والاستعداد للتموقع إذا انفجرت الأمور.
حزب الاستقلال يُراهن على هذا الخطاب المزدوج: رجل في الحكومة وآخر في الشارع، في محاولة لجني مكاسب من الطرفين.
من جهته، دخل حزب الحركة الشعبية على الخط، مستهدفاً الخزان الانتخابي للعالم القروي، الذي لطالما شكّل عنصر ترجيح في معادلة الحكم. لقاء فلاحي واسع النطاق نظمه الحزب في البادية، سعى من خلاله إلى دغدغة العواطف والهويات المحلية، وخاطب عبره القيم والتقاليد التي يعرف الحركيون جيداً أنها مفتاح النفوذ في الحواضر الصغيرة والقرى النائية.
ما يجري اليوم في الساحة الحزبية لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق سياسي مضطرب، حيث تتعالى أصوات المطالبة بالتغيير، ويزداد منسوب السخط الاجتماعي، وتترنح ثقة الشارع في قدرة الحكومة على تلبية تطلعات المواطنين.
الحقيقة الصادمة؟
الأحزاب تُدرك أن زمن الخطابات الناعمة قد انتهى، وأن الساحة السياسية مفتوحة على كل السيناريوهات. من هنا، تبدأ مرحلة الاصطفاف، والتحشيد، والتسلل إلى وجدان الناخب عبر كل الوسائل الممكنة: خطاب الإنجاز، أو قصف الحكومة، أو دغدغة العواطف القروية، أو خطاب المظلومية.
الكل يتهيأ، الكل يتحرك، الكل يقيس المسافات نحو صناديق 2026.
المعركة لم تبدأ رسمياً بعد، لكن الرصاص السياسي انطلق… والأرض بدأت تهتز تحت أقدام الجميع.






