سياسة

نصف مليار سنتيم في مهب الريح.. مناظرة “السعدي” تثير الشبهات وتُنعش شركات محظوظة

في مشهد عبثي يعيد طرح أسئلة الحوكمة والنزاهة، وجّه الرأي العام المغربي سيلاً من الانتقادات الحادة صوب كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، لحسن السعدي، وذلك بعد الكشف عن معطيات مالية صادمة مرتبطة بـ”المناظرة الوطنية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني”، التي نظّمتها كتابته، وسط شبهات واسعة حول طرق تفويت الصفقات وتوزيع المال العام.

المناظرة التي كان يفترض أن تشكّل لحظة تفكير وطني حول مستقبل الاقتصاد التضامني، تحوّلت في الواقع إلى حفلة إنفاق غير مبرر تجاوزت كلفتها نصف مليار سنتيم، دون أن تخلّف أي أثر فعلي على السياسات العمومية أو على أرض الواقع، سوى انتعاش أرصدة شركات محظوظة، بعضها تدور حولها شبهة قربها من الكاتب نفسه، أو من تنظيمات سياسية ينتمي إليها.

الوثائق والمعطيات المسربة تكشف أن مكتب التنمية والتعاون، التابع لكتابة الدولة التي يرأسها السعدي، فوّت صفقات بملايين الدراهم إلى شركات بعينها، دون نشر المعطيات الكاملة في المنصات الرسمية المخصصة لذلك، في خرق واضح لمبدأ الشفافية وحق المواطن في المعلومة. من بين هذه الشركات، واحدة سبق وأن نظّمت أنشطة لحزب التجمع الوطني للأحرار في أكادير، لتُمنح لاحقاً صفقة تنظيم المناظرة في ظروف تلفها أكثر من علامة استفهام.

تكاليف “المناظرة” توزعت بطريقة أقرب إلى الريع منها إلى التدبير العمومي المسؤول، إذ تشير المعطيات إلى منح شركة خدمات الاستقبال مبلغ 109 ملايين سنتيم، وأخرى خاصة بالإيواء الفندقي ما يقارب 100 مليون سنتيم، فيما جرى تخصيص 22 مليونًا لكراء المعدات، و47 مليونًا للسمعي البصري، إلى جانب 48 مليونًا للطباعة واللوحات، و33 مليونًا أخرى لشراء الهدايا، في مشهد يطرح بحدة سؤال: هل نحن أمام مناظرة وطنية أم وليمة موسعة بمذاق حزبي؟

الأخطر من ذلك، أن كاتب الدولة المعني بات يتصرّف في القطاع وكأنه ضيعته الخاصة، متجاهلاً أبسط شروط الشفافية، ومتماديًا في سلوك يبدو أنه يعكس منطق الغنيمة لا منطق الخدمة العمومية. صفقات بلا أثر، ملايين تتناثر في الهواء، ومخرجات مناظرة لم يسمع بها أحد، سوى من حضر الوليمة أو شارك في فواتيرها.

في المقابل، تعالت أصوات النشطاء الحقوقيين وعدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي مطالبة بفتح تحقيق عاجل في ملابسات هذه الصفقات، والكشف عن هوية المستفيدين الحقيقيين منها، ومبررات الغياب التام لأي أثر ملموس لهذه المناظرة التي لم تفعل سوى تعزيز الشكوك، وإظهار أن “الاقتصاد التضامني” تحول على أيدي بعض المسؤولين إلى اقتصاد محظوظين.

وبينما تصر وزارة السعدي على الصمت وغياب أي توضيح رسمي، يتزايد الضغط السياسي والشعبي لمساءلة هذا المسؤول الشاب، الذي يبدو أن منصبه جعله في وضعية انفصال عن الواقع، متحركًا في الميدان وكأنه يترأس مقاولة خاصة لا قطاعًا عموميًا خاضعًا لمبدأ المحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

مناظرة السعدي، بكل ما رافقها من فواتير وهدايا وخدمات خاصة، تعيدنا إلى جوهر الأزمة السياسية في البلاد: الخلط بين تدبير الشأن العام والمصالح الحزبية الضيقة، وتحوّل المبادرات الحكومية إلى واجهات للتمكين السياسي والمالي. وهي مؤشرات خطيرة تفرض دق ناقوس الخطر، لأن الصمت عنها لن يعني سوى تشجيع مزيد من العبث بأموال دافعي الضرائب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى