“نزيف” العنف يُهدد المغرب: هل يفلت المجتمع من قبضة “الفتوة” الرقمية والتفكك القيمي؟

مقال تحليلي- فاس24
بات المجتمع المغربي يواجه تحديًا وجوديًا غير مسبوق، يتمثل في تفشي مظاهر العنف التي تستمد وقودها من عالم رقمي مُتفلت. فبينما تتراجع سلطة المؤسسات التقليدية للتنشئة، يبرز تأثير “النماذج السلبية الرقمية” ليُعيد تشكيل وعي الأجيال الصاعدة، مُهددًا بتقويض منظومة القيم الأصيلة ودفع المجتمع نحو مستنقع من الفوضى والعنف. فهل تنجح “التحصينات” التقليدية – الأسرة، المدرسة، القانون – في مقاومة هذا “الوباء” المُستشري في الفضاء الافتراضي؟
يُعاني المجتمع المغربي من تحولات عميقة تُضعف سلطة المؤسسات التقليدية التي كانت تُشكل صمام أمان ضد الانحراف. فتراجع دور الأسرة في التربية والتوجيه، وتآكل هيبة المدرسة، وتضاؤل تأثير الرموز والقادة التقليديين، يخلق فراغًا قيميًا خطيرًا يسارع لملئه “نجوم” العنف الرقمي. هؤلاء “المؤثرون” السلبيون، الذين يروجون لسلوكيات عدوانية وقيم مُنحرفة عبر منصات التواصل، يجدون آذانًا صاغية لدى فئة الشباب والمراهقين، الذين يفتقدون إلى القدوة الحسنة والتوجيه السليم.
يُشير التحليل العميق لهذه الظاهرة إلى عملية “تطبيع” مُقلقة للعنف عبر الشاشات. فالتعرض المستمر لمحتوى عنيف، سواء في الألعاب الإلكترونية أو مقاطع الفيديو أو حتى “بطولات” المنحرفين التي تُبث على نطاق واسع، يُقلل من حساسية المتلقي تجاه هذه السلوكيات ويُقدمها كأمر عادي أو حتى “مُثير للإعجاب”. هذا “التطبيع الرقمي” يُقوض الجهود المبذولة لغرس قيم نبذ العنف والتسامح، ويُنشئ جيلًا جديدًا يعتبر العنف وسيلة “مشروعة” للتعبير عن الذات وحل المشكلات.
لم تسلم المؤسسات الأساسية في المجتمع من “عدوى” العنف المُتفشية في الفضاء الرقمي. فالاعتداءات المتزايدة على الأطر التعليمية ورجال الأمن تُظهر كيف أن قيم الاحترام والسلطة تتآكل أمام منطق القوة والعنف. هذا الاختراق لـ”حصون” المجتمع يُنذر بخطر حقيقي على تماسكه واستقراره، ويُؤكد أن تأثير “النماذج السلبية الرقمية” يتجاوز حدود الشاشات ليُترجم إلى سلوكيات عنيفة في الواقع.
يُدق علماء الاجتماع ناقوس الخطر، مُشيرين إلى غياب آليات “الوساطة” الاجتماعية القادرة على احتواء التوترات وتوجيه الشباب نحو حلول سلمية. كما يُشددون على أن “التنشئة الخوارزمية” القادمة من العالم الرقمي تُعمق الأزمة، حيث تحل محل التنشئة الأسرية القائمة على القيم، وتُطبع سلوكيات العنف والعدوان. هذا التحول يُنذر بإنتاج جيل جديد مُتشبع بثقافة العنف، يرى فيه وسيلة “ناجعة” لتحقيق أهدافه وفرض ذاته.
إن مواجهة هذا “الوباء” العنيف المُستمد من العالم الرقمي تتطلب استراتيجية وطنية شاملة. يجب “تحصين” الفضاء الرقمي من المحتوى الضار، وتوعية الشباب بمخاطره، وتعزيز الرقابة الأبوية على استخدام الإنترنت. بالتوازي مع ذلك، يجب “تطعيم” المجتمع بقيم التسامح والحوار ونبذ العنف، من خلال تفعيل دور المؤسسات التربوية والإعلام والجمعيات. إنها معركة قيمية حقيقية، تتطلب تضافر جهود الجميع لإنقاذ الأجيال القادمة من براثن هذا “الوباء” الذي يُهدد مستقبل المغرب.






