نحو “تخليق” الحياة الحزبية: إجراءات زجرية وشيكة لضبط تمويل الأحزاب السياسية في المغرب

علمت “فاس24” من مصادر مطلعة أن وزارة الداخلية عازمة على وضع حد للتلاعبات والاختلالات المتكررة في صرف الدعم العمومي المرصود سنوياً للأحزاب السياسية، وذلك من خلال إدراج حزمة من الإجراءات الزجرية الصارمة ضمن مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، الذي تمت المصادقة عليه مؤخراً في المجلس الوزاري الأخير برئاسة الملك محمد السادس، ومن المنتظر إحالته على البرلمان قريباً للمصادقة النهائية.
وتأتي هذه الخطوة استجابة لتوصيات وتقارير متتالية للمجلس الأعلى للحسابات، والتي ما فتئت تكشف عن تسجيل نقص كبير في تبرير صرف الأموال العمومية الممنوحة للأحزاب، وتأخر أو غياب بعض الهياكل الحزبية عن تقديم حساباتها السنوية، مما يطرح علامات استفهام حول مدى التزامها بمبادئ الحكامة المالية والشفافية.
تضمنت المقتضيات الجديدة في مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية إجراءً رادعاً يهدف إلى إضفاء مزيد من الشفافية والمسؤولية على تدبير الدعم العمومي. وينص هذا الإجراء على أن أي حزب سياسي يتخلف عن تقديم تقريره المالي السنوي إلى المجلس الأعلى للحسابات لثلاث سنوات متتالية، سيواجه خطر الحل.
في هذه الحالة، يقوم الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات بإحالة ملف الحزب المعني على أنظار وزير الداخلية، الذي يتولى بدوره إحالته على المحكمة الإدارية بالرباط للبث فيه واتخاذ قرار حل الحزب، مما يؤكد على تعزيز الدور القضائي في مراقبة الحياة الحزبية، وإلغاء الحل الإداري.
تأتي هذه الإجراءات في وقت يظهر فيه التزام متفاوت بين الأحزاب بالمتطلبات القانونية. ووفقاً لآخر تقرير للمجلس الأعلى للحسابات (برسم سنة 2022 مثلاً، حيث يشير المصدر إلى آخر تقرير)، فقد تمكن المجلس من التوصل بالحسابات السنوية لـ 27 حزباً من أصل 33 حزباً معترفاً به.
وتؤكد التقارير أن الاختلالات لا تقتصر على عدد محدود من الأحزاب، بل تشمل نقائص في تبرير صرف النفقات، وتسجيل مبالغ غير مثبتة بوثائق قانونية، ما يستوجب الاسترجاع الجزئي أو الكلي لبعض مبالغ الدعم العمومي، وتوجيه إعذارات لتسوية الوضعية، وهو ما يدل على ضرورة رفع جودة التدبير المالي والمحاسبي داخل المنظمات الحزبية.
ويأتي مشروع القانون الجديد، الذي صادق عليه المجلس الوزاري، في سياق يهدف إلى تطوير الإطار القانوني للأحزاب وتحسين حكّامتها وضبط ماليتها وحساباتها، وتعزيز دورها في تأطير المواطنين والمساهمة في الممارسة الديمقراطية، بالإضافة إلى تدابير أخرى لتعزيز مشاركة النساء والشباب في تأسيس الأحزاب وتدبيرها.
ويعكس إقرار هذه الإجراءات الزجرية، التي تُنيط صلاحية البت النهائي في حل الأحزاب بالقضاء الإداري، إرادة الدولة في تخليق المشهد السياسي وضمان صرف أموال دافعي الضرائب في سياقها القانوني الصحيح، بعيداً عن أي تلاعب، مع الرفع من مستوى الثقة بين المواطن والهيئات السياسية.






