موجة حرّ تعقبها عواصف مدمرة… جبال الأطلس تئن تحت رحمة مناخ مختلّ وسيول تقلب الموازين
بينما كانت التوقعات تتجه نحو صيف ملتهب ودرجات حرارة قياسية مع بداية شهر غشت، فوجئت عدة مناطق بالمغرب، خصوصًا المحاذية لسلسلة جبال الأطلس الكبير، بعواصف رعدية مباغتة وتساقطات مطرية قوية، خلفت أضرارًا مادية جسيمة وطرحت أسئلة جدية حول تغير نمط الفصول، واختلال المنظومة المناخية.
التحولات الجوية التي بدأت منذ مساء الأحد 3 غشت 2025، في أقاليم أزيلال، تنغير، بولمان، دادس، الرشيدية وورزازات، تعكس ظاهرة مناخية أصبحت تتكرر بوتيرة مقلقة: حرارة مفرطة في المدن والسواحل، تقابلها عواصف مطرية عنيفة في الجبال والبوادي، في مشهد لا يُشبه صيفًا ولا يُنبئ بخريف.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل نحن أمام مرحلة انتقالية في المناخ المغربي؟ وهل أصبحنا نعيش فصولًا هجينة تُفقد الفلاح توازنه، وتُربك حسابات الحماية المدنية والمجالس الترابية؟
في منطقة آيت بوكماز (إقليم أزيلال)، أدت السيول الناتجة عن عاصفة رعدية مفاجئة إلى ارتفاع منسوب مياه وادي آيت حكم، ما تسبب في خسائر فلاحية مباشرة، خاصة في حقول البطاطس، الجزر، النعناع وأشجار التفاح، وهي محاصيل تشكل العمود الفقري للاقتصاد القروي المحلي.
الأمر لم يختلف كثيرًا في بولمان ودادس وتنغير، حيث أدت التساقطات المطرية المصحوبة بالبرد “التبروري” إلى أضرار في أشجار الزيتون، وانقطاع الطرق، خاصة الرابطة بين الدواوير والمراكز الحضرية، ما جعل السكان في عزلة مؤقتة، وسط تحرك سريع للسلطات المحلية.
تسجيل ارتفاع قياسي في درجات الحرارة مع بداية غشت، ثم انقضاض مفاجئ لعواصف رعدية، يُؤشر على تغيرات عميقة في توازن النظام الجوي المغربي. فالمعادلة التي كانت تستقر لعقود – صيف جاف، شتاء ممطر – لم تعد سارية، ما يطرح تهديدات جديدة على الفلاحة، السكن، والطرق، بل وحتى على السلامة الجسدية للمواطنين.
الأخطر، أن هذه الظواهر أصبحت أكثر تكرارًا، وأكثر عنفًا، دون أن تكون هناك بنية تحتية مؤهلة لامتصاص الصدمة أو التكيف مع التداعيات، في ظل ضعف الاستثمار في دراسات الأثر المناخي، والتباطؤ في تحديث أنظمة الإنذار المبكر ومخططات التهيئة.
من جديد، يُدفع الفلاح القروي الصغير ثمن فوضى المناخ وحده. فبينما تقف المدن على أعتاب موجات حر مزعجة، يجد سكان الجبال أنفسهم تحت رحمة السيول، دون تأمين زراعي فعلي، أو آليات سريعة لتعويض الخسائر، أو شبكات بنية تحتية قادرة على مقاومة تقلبات الطقس.
السلطات، وإن تحركت، فإنها تتحرك بصفة “رد فعل”، لا “استباق”. والمطلوب اليوم ليس فقط تعبئة استثنائية وقت الأزمات، بل خطة وطنية شاملة لتدبير المخاطر المناخية، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المناطق الجبلية والهشة، وتعيد النظر في جدوى المشاريع الفلاحية التي أصبحت رهينة السماء.
ما يحدث في مناطق الأطلس ليس “حالة معزولة”، بل جزء من تحول مناخي شامل تعيشه مناطق عديدة في المغرب. فالتقلب الحاد في درجات الحرارة، وتواتر العواصف الرعدية، وامتداد الظواهر القصوى (Extreme Weather) إلى مناطق غير معتادة، يؤكد أن المغرب دخل فعليًا في عصر “المناخ الجديد”، حيث تختلط الفصول، ويصبح عدم الاستقرار هو القاعدة.
وهنا، يصبح من الضروري تعزيز التخطيط المناخي الترابي، وتوفير خرائط للمخاطر المناخية، وإعادة تصميم سياسات الفلاحة والسكن وفق رؤية تراعي سيناريوهات الطقس الحاد، بدل الاستمرار في منطق التدبير المؤقت.
ما بين الحرارة الخانقة في السواحل والعواصف الطوفانية في الجبال، يواجه المغرب فصلاً صيفيًا استثنائيًا يُحتم إعادة النظر في تصورنا للبيئة والمناخ. وإذا كانت هذه أولى ملامح غشت، فإن القادم قد يكون أعنف، إن لم تتم مراجعة البنيات والهياكل وخطط الطوارئ.






