حوادث

من شعلة عاشوراء إلى لهيب الفوضى: طوطو يُغني واليافعون بخربون و يحترقون!

تحوّلت ليلة عاشوراء، التي كانت تُعرف تقليديًا بشعلتها الرمزية وطقوسها التراثية، إلى ليلة دامية في عدد من المدن المغربية، أبرزها سلا وسطات، بعدما اجتاحت شوارعها موجات من الفوضى، وإضرام النيران، ومواجهات عنيفة بين يافعين والقوات العمومية. ما حدث لم يكن صدفة، بل امتدادًا لظاهرة اجتماعية مقلقة تتغذى من خطاب “فنّي” جديد يُقدَّم كتحرر، بينما هو في عمقه تخدير.

في قلب هذه الإشكالية، يبرز اسم مغني الراب المغربي المعروف بـ”طوطو”، الذي أصبحت أغانيه، المشبعة بإيحاءات عن المخدرات والكلام السوقي وتمجيد الجريمة، جزءًا من قاموس يومي لشرائح واسعة من اليافعين. هؤلاء ليسوا فقط مستهلكين لهذا “الفن”، بل باتوا جنوده الأوفياء، يرددون كلماته، ويقلدون سلوكياته، ويُظهرون استعدادية مثيرة للعنف والتمرد، كما حصل في عاشوراء.

إن مشاهد الشغب، وإشعال الإطارات، ورشق الأمن بالحجارة، ليست سوى تجليات خطيرة لتحول في العقليات، تغذيه أغاني لا تزرع إلا الغضب والرفض والتحريض. فالخطر لا يكمن في الأغنية بحد ذاتها، بل في ما ترمز إليه: “فن” يدعي الجرأة، بينما هو غارق في التدمير الرمزي والفعلي لشباب يُفترض أنهم مستقبل البلاد.

الأكثر إثارة للقلق أن هذا التيار الغنائي يتلقى دعمًا سياسيًا واضحًا ، في محاولة لتلميع صورة الانفتاح، دون إدراك أن هذا الانفتاح قد يكون انتحارًا اجتماعيًا إذا لم يكن مصحوبًا بضوابط أخلاقية وثقافية. اليوم، نحن نجني ثمار صمتنا: جيل بلا خوف، لا لأنه شجاع، بل لأنه لم يجد من يرشده. جيل يرى في السجن مجرد “مرحلة”، وفي المواجهة مع الشرطة بطولة، وفي المخدرات أسلوب عيش.

ليست المدن الكبرى فقط من تحترق، فحتى المدن الصغيرة والهادئة بدأت تُنذر بانفجارات اجتماعية قادمة، يقودها يافعون منسيون، تركوا المدرسة، وغابت عنهم الأسرة، وتُركوا فريسة لأغاني “الهيب هوب” و لتناول المخدرات الرخيصة و المهيجة التي لا تعترف إلا بالقوة والرفض، بدل الاحترام والتفوق والمعنى.

لقد آن الأوان لمراجعة النموذج الثقافي الذي نُقدّمه لشبابنا، والتوقف عن تبرير الانحدار باسم “حرية التعبير” أو “الجرأة الفنية”. فالفن رسالة، لا أداة لتفجير القيم. والاستثمار في الإنسان لا يتم بإعطائه “جوانًا” وأغنية هابطة، بل بتعليمه، وتأطيره، وتوفير بدائل حقيقية تجعله فخورًا بانتمائه، لا غاضبًا منه.

ما وقع في ليلة عاشوراء ليس حادثًا معزولًا، بل جرس إنذار لمستقبل بدأ ينفلت من بين أيدينا. وإذا لم تتدخل الدولة، والمجتمع، والمدرسة، والإعلام، والفنانون الحقيقيون، فإننا لن نحتفل بعاشوراء القادمة، بل سنُحصي الخسائر فقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى