من سنوات الصمت إلى “صحوة” الوزراء: كيف أيقظ “جيل زد” التواصل الحكومي؟

شهد المشهد السياسي والإعلامي في المغرب تحولاً لافتاً في الأيام القليلة الماضية، لم يكن وليد التخطيط الاستراتيجي بقدر ما كان رد فعل على ضغط شعبي غير تقليدي. فبعد فترة طويلة اتسمت بـ “الصمت الحكومي” أو التواصل المتقطع والمحدود، يبدو أن الحكومة الحالية، برئاسة عزيز أخنوش، قد قررت فجأة رفع سقف التواصل بشكل غير مسبوق. الغريب في الأمر أن المحرك الرئيسي لهذا التحول لم يكن مبادرة ذاتية، بل كان ظهور حراك شبابي عابر، عُرف إعلامياً باسم “جيل زد”.
يمكن القول إن أكبر حسنات حراك “جيل زد”، رغم هشاشته الميدانية، هو نجاحه في إخراج الحكومة من قوقعة الصمت. فجأة، تحولت القنوات العمومية والدولية والإعلام الوطني المستقل إلى ساحة تعج بالوزراء والمسؤولين. كل وزير بات يسارع لتفسير موقفه، وشرح دور الحكومة، وتفصيل الأوراش التي تم إنجازها أو التي هي قيد الإنجاز في ظرف أربع سنوات من ولاية هذه الحكومة.
من الواضح أن هذا الاندفاع نحو التواصل جاء كرد فعل متأخر لتدارك تقصير سابق ومرير في إدارة العلاقة مع الرأي العام. عانت الحكومة، منذ توليها المسؤولية، من انتقادات لاذعة بخصوص غياب الشفافية والضعف المنهجي في التواصل حول الملفات الكبرى. لم تنجح الحكومة في إقناع المواطنين بـ إنجازاتها، ولا بـ الإكراهات التي تواجهها، ولا حتى بـ الإخفاقات في بعض القطاعات الحساسة.
هذا العجز في التواصل مكّن من ترك فراغ إعلامي كبير، تم ملؤه بالإشاعات والتأويلات السلبية، مما زاد من حالة عدم الثقة. الشعب المغربي، الذي راكم خبرة في متابعة الشأن العام، كان يعيب بشدة على الحكومة إغلاق أبوابها أمام التفسير والتوضيح، لاسيما بعد سنوات سابقة اتسمت بـ “صخب التواصل” من طرف حكومة حزب العدالة والتنمية، والذي اتصف بالإفراط أحياناً ولكنه كان موجوداً باستمرار.
لقد شكلت هذه الهجمة التواصلية الحكومية الأخيرة فرصة ذهبية لعرض ما تم إنجازه، وخصوصاً بعد جهود حقيقية شهدتها قطاعات مثل الحماية الاجتماعية وتفعيل أوراش الاستثمار، وهي إنجازات ظلت محجوبة عن الرأي العام بسبب سوء التقدير في إدارة المعلومة. اليوم، تحول الوزراء إلى “سفراء تفسير”، يشرحون أسباب غلاء الأسعار، وتفاصيل الإصلاح الضريبي، وآفاق المشاريع الكبرى.
التواصل الفعال ليس مجرد ترف سياسي أو أداة لتبرير الأخطاء؛ إنه صفة حميدة وركن أساسي في الحكم الرشيد. إن إشراك المواطن عبر التفسير الواضح والدقيق ليس فقط حقاً له، بل هو ضرورة لاستدامة أي برنامج إصلاحي.
على الحكومة أن تدرك أن هذا الزخم التواصلي يجب ألا يكون مجرد ردة فعل طارئة على حراك عابر، بل يجب أن يتحول إلى نهج دائم ومستقر. إن استمرارية تواصل الوزراء مع مختلف القنوات، واستماعهم للنقد، وتداركهم الفوري لأخطاء الماضي وتعثر الإصلاحات في بعض القطاعات الحيوية، هو ما سيعيد بناء جسر الثقة المفقود.
الخلاصة أن الحكومة، ورغم تقصيرها السابق، أظهرت مرونة سريعة في الاستجابة لضغوط الشارع (حتى لو كانت ضغوطاً افتراضية). نجحت “فقاعة جيل زد” في ثقب جدار القطيعة الحكومية مع الإعلام. التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الظهور الإعلامي المكثف، بل في جودة الرسالة وصدق النوايا والتحرك الفوري لتصحيح المسار في الملفات التي ما زالت تؤرق المواطنين.
التواصل اليوم هو خطوة أولى نحو تدارك الأخطاء، لكن الميدان يبقى هو الفيصل. يجب على الحكومة أن تضمن استمرار هذا النهج الإيجابي وأن تترجم هذا الانفتاح التواصلي إلى إجراءات ملموسة وآنية يشعر بها المواطن. فالمغاربة ينتظرون من الحكومة، لا مجرد التفسير، بل التغيير الملموس.
الإجابة على سؤال ما إذا كان هذا التحول الإيجابي في التواصل الحكومي سيستمر حتى بعد خفوت الأضواء عن حراك “جيل زد”؟ تكمن في طبيعة التحرك الحكومي نفسه. هذا الاندفاع نحو الشرح والتفسير لم يكن نابعًا من إيمان راسخ بضرورة الشفافية بقدر ما كان رد فعل استعجالي على أزمة ثقة كادت تتفجر عبر الفضاء الرقمي. من المرجح أن حدة وكثافة هذا التواصل سوف تتراجع بشكل ملحوظ بمجرد عودة الهدوء للمشهد، وخصوصاً بعد تلاشي الزخم الإعلامي حول المطالب الشبابية. ومع ذلك، لا يمكن للحكومة العودة تماماً إلى “صمتها القديم”. الضربة التي تلقتها في إدارة صورتها، وتحميلها ضمنيًا مسؤولية تضخيم الفقاعة الشبابية بسبب العجز التواصلي، ستجعلها أكثر حذراً. نتوقع أن يتحول التواصل من “صخب الوزراء” إلى “تواصل مؤسساتي أكثر انتقائية”؛ أي ستصبح الحكومة أكثر استباقية في معالجة القضايا الحساسة قبل أن تتأزم، خاصة وأنها تدرك الآن أن الفراغ التواصلي هو أخطر ما يهدد استقرارها السياسي، وخصوصاً مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية القادمة التي تتطلب استمرار شرح الحصيلة وتدارك الأخطاء. لذلك، سيكون التواصل أكثر احترافية وأقل تكراراً، لكنه لن يختفي.






