قضايا

من سرق أرشيف الجماعات؟ وثائق تبخّرت وفضائح تدبيرية في مهب الريح

في مشهد يختزل عبثية التسيير المحلي، وجدت لجان التفتيش نفسها في مواجهة “فراغ مقصود”، بعدما تبخرت الوثائق الحيوية من أرشيف عدد من الجماعات الترابية، خصوصًا تلك المرتبطة بالتعمير والجبايات والصفقات العمومية. كل شيء اختفى في ظروف “غامضة”، والجواب الجاهز: “سرقات مجهولة”.

ما وقع ليس صدفة، بل مؤشرات على محاولة منظمة لطمس معالم خروقات جسيمة. من رخص بناء مشبوهة إلى تفويتات مشبعة بالزبونية والمحسوبية، ومن سندات محروقات إلى صفقات طرق وهمية، كلها وثائق تبخرت من رفوف الأرشيف قبيل وصول المفتشين، وكأن “الأيدي الخفية” سبقتهم بخطوة لتطهير مسرح الجريمة.

الأرشيف، الذي يُفترض أن يكون خزّان الشفافية والإثبات والمحاسبة، تعامل معه مسؤولون محليون باستهتار مدروس، فتحوّل إلى أداة للتضليل بدل أن يكون وسيلة للحكامة. والكارثة ليست فقط في “ضياع” الوثائق، بل في التبريرات الساذجة التي قدمها بعض الموظفين، ممن حاولوا تسويق روايات من قبيل “السرقة الليلية” أو “سوء التخزين”، وكأننا أمام قصص أطفال لا أمام إدارة مسؤولة.

الأخطر أن الوثائق المختفية لا تتعلق فقط ببناء عشوائي أو صفقة واحدة مشبوهة، بل تشمل تراخيص مشاريع سكنية، عقود كراء مرافق عمومية، محاضر تحصيل جبايات، ووصولات تسليم نهائية لمشاريع لم تُراقب أو تُنجز فعليًا. بل حتى سجلات “الأراضي العارية” لم تسلم، وسط تساؤلات حارقة: هل تم إخفاؤها عمدا للتستر على إعفاءات ضريبية مُنحت للمقربين؟

الفضيحة لم تعد تقنية أو إدارية، بل تحولت إلى فضيحة سياسية وأخلاقية، إذ تُطرح أسئلة ثقيلة عن مسؤولية الرؤساء والمنتخبين الذين صمتوا عن هذه الخروقات، بل وهناك من وجّه لهم نواب في المجالس انتقادات مباشرة تطالبهم بقطع العلاقة مع ممارسات تضرب الشفافية وتغذي الإفلات من العقاب.

كل ذلك يحدث في ظل غياب إرادة حقيقية لدى بعض الجماعات لتقدير أهمية الأرشيف كأداة لحماية المال العام وضمان الحقوق، فصار مصيره في يد من يعتبره عائقًا أمام استمرار الريع والفساد، لا سندًا للحكامة والنزاهة.

 وفي خضم الحملة الوطنية لمراقبة تدبير الموارد المالية للجماعات الترابية، يُطرح سؤال حارق داخل كواليس وزارة الداخلية: هل تتجه لجان التفتيش نحو إسقاط رؤساء جماعات ثبت تورطهم في ملفات الإعفاء غير القانوني للضرائب على الأراضي العارية؟

هذا التساؤل يفرض نفسه بقوة، بعد أن كشفت تقارير أولية لمفتشي الداخلية عن وجود اختلالات صارخة في تدبير وعاء ضريبي حساس، يدرّ على خزينة الجماعات مداخيل مهمة، لكن تم تبديده أو التلاعب به عبر إعفاءات غير مبررة أو انتقائية، استفاد منها نافذون ومنعشون عقاريون، في صفقات تثير الشبهات وتدفع نحو فتح ملفات قد تُسقط رؤوساً كبيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى