من “المسيرة الخضراء” إلى “عيد الوحدة”: تتويج ملكي لمسار نصف قرن من التحرير والسيادة والتنمية

لا يمثل الاحتفال بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة مجرد تخليد لحدث تاريخي، بل هو مناسبة لتأمل مسار ملحمي من التحرير والتنمية قادته المملكة المغربية على مدى نصف قرن، تكلل بتحول استراتيجي غير مسبوق. حيث أعلن المغرب رسمياً تحويل يوم 31 أكتوبر من كل عام إلى “عيد الوحدة”، في إشارة رمزية عميقة للانتصار الدبلوماسي الحاسم الذي حققه المغرب بإقرار مجلس الأمن لقراره رقم 2797، الذي رسخ مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي للنزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية، وبذلك أسدل الستار على أطماع ومناورات الجزائر وجبهة البوليساريو.
المحطة الأولى: “المسيرة الخضراء” – عبقرية التحرير السلمي (عهد الحسن الثاني)
الإبداع الاستراتيجي للملك الراحل
في السادس من نوفمبر 1975، أطلق المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، مبادرة هي الأعظم في تاريخ النضال السلمي: المسيرة الخضراء. لم تكن فكرة عابرة، بل كانت نتاج عبقرية سياسية وإستراتيجية محنكة، أدهشت العالم وأربكت حسابات الخصوم. فبينما كانت المنطقة مهددة بالانزلاق إلى صراع عسكري إقليمي، اختار الملك الراحل طريق الإيمان والتعبئة الشعبية والتلاحم الوطني.
- الرمزية الدينية والوطنية: شارك في المسيرة 350 ألف مغربي ومغربية، يحملون القرآن الكريم كرمز للشرعية الروحية، والعلم الوطني كرمز للسيادة، في مشهد أعاد التأكيد على البيعة التاريخية التي تجمع الصحراويين بالعرش العلوي.
- الحكمة السياسية: جاءت المسيرة بعد ساعات قليلة من صدور رأي محكمة العدل الدولية الذي أكد وجود روابط قانونية وعلاقات ولاء بين سلاطين المغرب وقبائل الصحراء. وبإطلاق المسيرة، حول الملك الراحل الرأي الاستشاري إلى فعل سياسي لا رجعة فيه على الأرض، ليتم توقيع اتفاقية مدريد التي أنهت الوجود الإسباني.
- التكلفة: صفر قتال: نجحت المسيرة في استعادة الأقاليم الجنوبية دون إراقة دماء، مسجلة بذلك سابقة تاريخية في إنهاء الاستعمار بأسلوب سلمي حضاري.
الملك الحسن الثاني: “شعبي العزيز، عليك أن تعلم أن هذه المرحلة من المسيرة ليست كسابقتها، هذه المرحلة تستلزم منك ضبطاً أكبر ونظاماً أكثر… فإذا الحسن بدا فاسجد له، فسجود الشكر فرض يا أخي.”
المحطة الثانية: “عيد الوحدة” – ترسيخ السيادة بالتنمية والدبلوماسية (عهد محمد السادس)
منذ اعتلائه العرش، نقل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، ملف الوحدة الترابية إلى مرحلة جديدة، ترتكز على الدبلوماسية الهجومية والمبادرة الاستباقية والتنمية الشاملة.
- المبادرة التاريخية للحكم الذاتي (2007):
- الجوهر: قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية سنة 2007 كحل سياسي دائم وواقعي ومتوافق عليه. وهي تمنح سكان المنطقة صلاحيات موسعة (مالية، تنموية، أمنية محلية)، مع احتفاظ الدولة بالسيادة الكاملة (الدفاع، الخارجية، العملة).
- الاعتراف الدولي: شكلت هذه المبادرة نقطة تحول كبرى. وبفضل الرؤية الملكية والدبلوماسية الفعالة، أصبحت دول وازنة (مثل الولايات المتحدة، إسبانيا، فرنسا، وأغلبية الدول الإفريقية والعربية) تعتبرها الأساس الوحيد والجاد لحل النزاع.
- النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية:
- الارتباط بين السيادة والتنمية: لم يكتفِ الملك محمد السادس بالعمل الدبلوماسي، بل أطلق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، باستثمارات ضخمة في البنية التحتية (ميناء الداخلة الأطلسي، الطرق، الطاقة المتجددة) والتعليم والصحة. هذا النموذج جعل الصحراء المغربية قطباً اقتصادياً ومحور ربط استراتيجياً بين المغرب وعمقه الإفريقي.
- تجسيد الجهوية المتقدمة: تم تعزيز المشاركة السياسية للسكان المحليين من خلال انتخابات جهوية نزيهة، مما جسد الحكم الذاتي على أرض الواقع حتى قبل اعتماده رسمياً، وضمن انخراط الصحراويين في تدبير شؤونهم.
- الانتصار الدبلوماسي الحاسم (31 أكتوبر 2025):
- قرار مجلس الأمن 2797: جاء قرار مجلس الأمن الأخير ليضع النقطة الفاصلة في النزاع. فقد أكد القرار بشكل لا لبس فيه على أفضلية وجدية وواقعية مقترح الحكم الذاتي، ودعا الأطراف المعنية إلى الجلوس للتفاوض على أساسه، مع تهميش أي خيار آخر.
- إنهاء أوهام الانفصال: هذا الاعتراف الأممي القوي والمفصلي يمثل ضربة قاصمة للأطروحات الانفصالية، ويؤكد فشل استراتيجية الجزائر وجبهة البوليساريو في تدويل النزاع أو العودة إلى خيار الاستفتاء، الذي أثبتت الأمم المتحدة استحالة تنظيمه.
إن قرار الملك محمد السادس جعل يوم 31 أكتوبر “عيد الوحدة” هو بمثابة إعلان رسمي عن:
- تتويج المسار: ربط رمزي بين ملحمة التحرير (المسيرة الخضراء) ومرحلة ترسيخ السيادة (الحكم الذاتي)، واعتبار أن النصر الدبلوماسي هو استكمال لقسم التحرير الأول.
- إنهاء النزاع المفتعل: تأكيد على أن قضية الصحراء المغربية لم تعد قضية خلاف دولي، بل هي جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية التي تم تسويتها وفقاً لمقترح الحكم الذاتي.
- الالتفات إلى المستقبل: توجيه الاهتمام الوطني نحو “الجهاد الأكبر” وهو التنمية الشاملة وتعميق الديمقراطية ومكانة المغرب كقوة إقليمية رائدة.
في ختام هذه الذكرى الخمسين، يعيش المغرب لحظة تاريخية فارقة. فـ “المسيرة الخضراء” التي كانت ملحمة التحرير في عهد الحسن الثاني، أثمرت اليوم “عيد الوحدة” في عهد محمد السادس، مؤكدة أن الوحدة الترابية للمملكة لا تقبل المساومة، وأن مستقبل الأقاليم الجنوبية يكمن في اندماجها التام والمزدهر ضمن مغرب موحد، قوي، ومسؤول.






