سياسة

مليارديرات الجماعات الترابية: من “حْفيانين” إلى صُنّاع ثروات بالملايير

تحقيق خاص من إعداد فاس 24

في مغرب الجماعات الترابية، لا تسأل عن البرامج الانتخابية، ولا عن التنمية المحلية، ولا حتى عن طرق تصريف المال العام، فهذه أسئلة قد تضعك في خانة “الجهال” الذين لا يفهمون قواعد اللعبة. القاعدة هنا بسيطة: اربح الانتخابات، تصير ثريًا.

بين البارحة واليوم، تحول العشرات من رؤساء الجماعات ونوابهم إلى أصحاب فيلات، أساطيل سيارات، حسابات بنكية ممتلئة، ومصالح متشابكة مع أخطبوط المال والعقار. أما المواطن؟ فليواصل دفع فواتير العجز، والإهمال، والوعود المتبخرة.

غالبية رؤساء الجماعات الترابية، كانوا من “الطبقات الكادحة”، بعضهم لا يحمل حتى شهادة  ابتداءية اما جامعية الا من رحم ربي، آخرون كانوا بالكاد يشتغلون في مهن بسيطة، ثم حدثت المعجزة الانتخابية… فتحولت حياتهم في ظرف سنوات قليلة إلى نسخ فاخرة من حياة رجال الأعمال، دون أن تُعرف لا طبيعة الاستثمار، ولا مصدر التمويل، ولا ملامح المشروع.

فمن كان يسكن حيا شعبيا، أصبح له قصر في “طريق  الفراعنة”، ومن كان يتنقل على “البطبوط” أصبح اليوم يتباهى بسيارات فاخرة، ومن كان يطلب سلفة من “مول الحانوت”، أصبح يفاوض كبار المنعشين العقاريين ويملك أراضي شاسعة وأرصدة بطرق ملتوية.

الصفقات العمومية التي تمرر تحت الطاولة،  و حقي عند المقاول ،و”تسويات” مشبوهة في التعمير، ورخص بناء تُوزّع دون رقيب، كلها عناصر تدخل في معادلة الإثراء غير المشروع.

رؤساء الجماعات، بدل تطوير الخدمات والبنية التحتية، حولوا الجماعات إلى ضيعات شخصية. يفوزون بالانتخابات بالمال و لا سوى غير المال هو البرنامج الانتخابي و 200 درهم هو ملصق المرشح الفائز،ويصنعون أغلبيات مطلقة مطواعة، لا تعارض، لا رقابة، فقط تمرير المقررات كما يُملى، ثم التنقل إلى المقرات الخلفية لتقاسم الغنائم.

للهروب من “كابوس التصريح بالممتلكات”، أصبح تسجيل الثروات باسم الزوجات، الأبناء، وحتى الخدام، موضة يتبعها أغلب المنتخبين. الفيلات تسجل باسم “لالة”، السيارات باسم “ولد الخالة”، والشركات باسم “صديقه الحميم”.

أما التصريح بالممتلكات؟ فهو مجرد وثيقة شكلية تُملأ بما يكفي فقط لإيهام الرأي العام أن المسؤول “على قد الحال”، بينما الحقيقة أن هناك شبكة من الشركات الوهمية والعقارات المسجلة بطرق ملتوية تبتلع أموال الجماعة بلا حسيب ولا رقيب.

في قلب هذا الفساد المعمم، يقف رؤساء جماعات كعرّابين لمصالح لوبيات العقار ونهّابي الرمال والمقالع. هناك جماعات بأكملها تُستنزف بيئيا ومجاليا لصالح مشاريع عشوائية، تُمرّر بغطاء إداري وقانوني مفبرك، مقابل “صمت مدفوع الأجر”.

تسويات عمرانية تُمنح دون احترام للضوابط، تراخيص بناء على أراضٍ فلاحية تُحول إلى فيلات، وتسهيلات للمستثمرين مقابل رشاوى مقنّعة… والنتيجة: نسيج عمراني مختل، وفوضى عقارية لا علاج لها.

بينما تغرق الجماعات في العجز المالي والديون، يُنفق رؤساؤها الملايير في الحملات الانتخابية. شراء الأصوات أصبح عملية منظمة تموّل من جيوب المواطنين، عبر نهب المال العام، وتمرير صفقات مغشوشة، وتوظيف الجمعيات والتعاونيات كأذرع لشراء الولاءات.

دعم الأحزاب من المال العام يتحول إلى خزينة غير معلنة لتمويل “بيزنس الانتخابات”، بينما المواطن يطحنه الفقر، وانعدام الخدمات، وسوء البنية التحتية.

حتى لا يجرؤ أحد على كشف المستور، لجأ بعض الرؤساء إلى خلق جبهات رقمية لحمايتهم. صفحات على فيسبوك وتيكتوك تُدار من مجرمين وأصحاب سوابق، تُستخدم لابتزاز المعارضين، وسبّ الصحافيين، والتشهير بأي شخص يحاول فقط أن يسأل: “من أين لك هذا؟”.

الهدف واضح: تطويع الجميع بالقوة الناعمة أحيانًا، وبسلاح التشهير والفضائح الشخصية أحيانًا أخرى، لتبقى الجماعة مزرعة خاصة بالرئيس والمقربين منه.

من نتائج هذا التغوّل، أن المواطن فقد الثقة حتى في صناديق الاقتراع. فالرئيس المتحكم في الجماعة لعقد أو عقدين، لا يترك مجالا لأي مرشح منافس. وإن تجرأ أحد على الترشح ضده، فمصيره إما الدخول تحت “جلباب الحزب”، أو التدمير الرمزي والمعنوي أمام الرأي العام المحلي.

هكذا يُفرض على الناس الاعتقاد أن لا بديل، وأن الفساد قدر مقدس، والتطبيع مع الفوضى ضرورة انتخابية.

في ظل غياب تفعيل قانون الإثراء غير المشروع، وغياب ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتواطؤ قيادات حزبية تحافظ على “قواعدها الانتخابية”، يبدو أن لا شيء سيتغير قريبًا. نفس الوجوه، نفس الشعارات، نفس المسرحية.

لكننا في فاس 24 نعيد طرح السؤال، ولو بصوت صارخ:

من أين لكم هذا؟ ومن يحاسب هؤلاء المليارديرات الجدد الذين لا يعرفون لا قانونًا ولا حدودًا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى