سياسة

ملف الأحد | ترشح الشباب خارج الأحزاب… اختبار الديمقراطية المغربية قبيل انتخابات 2026

ملف الأحد – عبدالله مشواحي الريفي

تحليل سياسي واستشراف لمستقبل الديمقراطية المغربية قبيل انتخابات 2026.دخل: بين جيل جديد وسؤال قديم

قبل أقل من سنة واحدة للاستحقاقات التشريعية المنتظرة في المغرب سنة 2026، تشتد حرارة النقاش السياسي حول مدوّنة الانتخابات الجديدة، وحول نوايا وزارة الداخلية في إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية.
لكن الحدث الأبرز الذي سرق الأضواء في هذا المشهد هو بروز جدل واسع حول السماح بترشح الشباب دون انتماء حزبي، وهو مقترح يثير أسئلة عميقة تتجاوز الشكل الانتخابي إلى جوهر الديمقراطية التمثيلية بالمغرب.

هل نحن أمام بداية انفتاح حقيقي على جيل جديد من الفاعلين السياسيين؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه تجميلاً انتخابياً لإعادة الثقة في العملية الديمقراطية دون المسّ بجوهر التوازنات التقليدية التي تحكم السياسة المغربية منذ عقود؟

1. من أين بدأ النقاش؟

يعود أصل الجدل إلى المشاورات التي أطلقتها وزارة الداخلية منذ صيف 2025 مع زعماء الأحزاب السياسية، بهدف مراجعة مدوّنة الانتخابات وتنقيح بعض فصولها المرتبطة بالتمثيلية والمشاركة، بما في ذلك فتح الباب أمام الترشح الفردي للشباب دون انتماء حزبي في اللوائح المحلية.

الفكرة، في ظاهرها، تحمل بعداً ديمقراطياً مشجعاً. فبعد سنوات من تراجع الثقة في الأحزاب السياسية وارتفاع نسب العزوف الانتخابي، بدت المبادرة وكأنها محاولة لإعادة ضخّ دماء جديدة في المؤسسات المنتخبة.
لكن سرعان ما انقسمت الآراء: فبينما رحّب جزء من الرأي العام بالفكرة واعتبرها نافذة أمل أمام جيلٍ يشعر بالتهميش السياسي، حذّرت الأحزاب من أن السماح بترشح مستقلين خارج البنية الحزبية قد يؤدي إلى “تفكيك العمل السياسي المنظم” وخلق “برلمان بلا هوية ولا انضباط مؤسساتي”.

2. أزمة الثقة في الأحزاب: خلفية ضرورية

يصعب فهم هذا النقاش دون العودة إلى السياق السياسي الأعمق: أزمة ثقة غير مسبوقة بين الشباب والأحزاب.
تُظهر الدراسات الميدانية الأخيرة أن أقل من 10% من الشباب المغربي يثقون في الأحزاب السياسية، فيما تتجاوز نسبة من يعتبرونها “بعيدة عن هموم المواطن” 70%.
الأحزاب اليوم، كما يصفها أحد الباحثين، “تبدو كأجساد بيروقراطية متكلسة أكثر من كونها أدوات للتعبير الشعبي”.

منذ انتخابات 2011، ثم 2016، وصولاً إلى 2021، لم تتمكن القوى السياسية الكبرى من تجديد خطابها أو نخبها.
الوجوه تتكرر، الخطابات تُعاد، والشباب الذين يُفترض أن يكونوا “رأسمال المستقبل” ظلوا محصورين في الملاحق التنظيمية أو الحلقات الطلابية، بعيداً عن دوائر القرار.
ولذلك لم يكن غريباً أن يظهر اليوم جيل جديد من المغاربة يقول صراحة: “لا نريد أن نكون تابعين للأحزاب، نريد أن نمثل أنفسنا”.

3. بين القانون والسياسة: هل يُسمح فعلاً بترشح المستقلين؟

بحسب التسريبات الأولية لمشروع مراجعة المدوّنة، فإن المقترح المطروح ينص على إمكانية ترشح الشباب دون انتماء حزبي في حدود لوائح محلية معينة، شرط جمع عدد من التوقيعات من الساكنة المحلية (قد يصل إلى 200 توقيع)، مع ضمان تمثيلية نسائية لا تقل عن 30%.

كما يُتداول أن الداخلية تفكر في دعم مالي جزئي لهؤلاء المرشحين المستقلين لتشجيعهم على خوض التجربة الانتخابية، في محاولة لإحداث توازن بين الإمكانات المحدودة لهؤلاء الشباب والقدرات المالية الكبيرة التي تمتلكها الأحزاب التقليدية.

لكن من الناحية العملية، فإن الترشح دون حزب ليس بالأمر السهل:
المرشح المستقل لا يمتلك ماكينة تنظيمية ولا خبرة انتخابية ولا قاعدة مناصرين منظمة، في حين تملك الأحزاب كل أدوات الدعم اللوجستيكي والإعلامي والقانوني.
بمعنى آخر، فإن هذا الانفتاح قد يظل رمزياً، ما لم تُواكبه إصلاحات حقيقية في شروط الترشح وتمويل الحملات الانتخابية.

4. الأحزاب في مأزق الوجود

الأحزاب المغربية اليوم أمام اختبار وجودي: كيف تواجه جيلاً كاملاً فقد الثقة فيها ويرى أن العمل السياسي يمكن أن يكون ممكناً خارج الأسوار الحزبية؟
في الكواليس، تُظهر اللقاءات المتكررة بين وزير الداخلية وقادة الأحزاب قلقاً واضحاً من أن يؤدي هذا التوجه إلى “تحييد الأحزاب” تدريجياً من المعادلة الديمقراطية، خصوصاً وأن نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة بالكاد تجاوزت 50%.

بعض القيادات الحزبية حذرت من “فوضى الترشح المستقل” التي قد تفرز برلماناً بلا رؤية سياسية واضحة، في حين يردّ المؤيدون بأن البرلمان المغربي في شكله الحالي لم يعد صوتاً حقيقياً للشعب أصلاً، وأن إعادة التفكير في صيغة التمثيلية قد تكون خطوة ضرورية لإنقاذ السياسة من جمودها.

الأحزاب الكبرى – كالأحرار، العدالة والتنمية، الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي – بدأت بالفعل عقد اجتماعات تنظيمية استعداداً لمعركة 2026، في وقتٍ تسابق فيه وزارة الداخلية الزمن لإعداد مدوّنة انتخابية “محكمة ومنضبطة”، تحاول تحقيق توازن بين التجديد والحذر.

5. جيل بلا وسائط.. من الفايسبوك إلى صناديق الاقتراع؟

السؤال الأهم اليوم هو: هل الشباب المغربي مستعد فعلاً لخوض تجربة الترشح المستقل؟
الإجابة ليست سهلة.
جيل اليوم، الذي يعبّر عن آرائه بحرية في “الفضاء الرقمي”، ما زال يفتقر إلى أدوات التنظيم السياسي، وإلى رؤية جماعية لما يريد تغييره.
لكن هناك مؤشرات لصحوة جديدة:

  • مبادرات رقمية تدعو إلى تكوين “تنسيقيات محلية مستقلة” لخوض الانتخابات المقبلة.

  • حملات على تيك توك ويوتيوب تطالب بـ “تجديد النخب من خارج الأحزاب”.

  • نقاشات بين شباب الجامعات حول فكرة “القوائم المستقلة” على شاكلة بعض التجارب الأوروبية.

هذا التحول يعكس أن المجال الرقمي أصبح بديلاً عن مقرات الأحزاب، وأن الهوية السياسية الجديدة تتشكل اليوم عبر شبكات التواصل أكثر مما تتشكل عبر المؤتمرات الحزبية.

6. الإصلاح الانتخابي المرتقب: بين طموح الدولة وهواجس الشارع

في تصريحات متفرقة، أكدت مصادر حكومية أن إصلاح المدوّنة المقبلة يهدف إلى “تعزيز المشاركة السياسية للشباب والنساء”، وإلى “توسيع قاعدة التمثيل المحلي”، وهو ما ينسجم مع التوجه الملكي الداعي إلى تجديد النخب السياسية وتمكين الكفاءات الجديدة.

لكن المراقبين يرون أن توسيع قاعدة الترشح لا يكفي وحده، لأن الأزمة الحقيقية تكمن في إدارة العملية الانتخابية وفي تمويل الأحزاب وفي غياب العدالة المجالية والسياسية.
فإذا ظل النظام الانتخابي محكوماً بنفس المنطق الذي يفرز نفس النخب، فإن فتح الباب أمام مرشحين شباب لن يغير الكثير.

كما أن “الترشح بلا حزب” يحمل مخاطر:

  • خطر تشتت الأصوات في الدوائر المحلية،

  • وصعوبة تشكيل أغلبية برلمانية مستقرة،

  • إضافة إلى احتمال تحكم المال الانتخابي في المستقلين بشكل أكبر من الأحزاب المنظمة.

ومع ذلك، فإن مجرد طرح الفكرة يعكس وعي الدولة بأن النموذج القديم لم يعد مقنعاً، وأن إعادة بناء الثقة تتطلب تجريب طرق جديدة للتمثيل السياسي.

7. بين الواقعية والطموح: أي مستقبل للديمقراطية المغربية؟

يجد المغرب نفسه اليوم أمام مفترق طرق حقيقي:
إما أن يُبقي على النسق الحزبي التقليدي الذي يضمن استقراراً شكلياً دون تجديد فعلي،
أو أن يغامر بإدماج جيل جديد من المستقلين والشباب في الحقل السياسي، بما يحمل من مخاطر ووعود في آن واحد.

المعادلة معقّدة:
فالدولة تحتاج إلى أحزاب قوية لإدارة الحياة السياسية، لكنها تدرك أن هذه الأحزاب فقدت جاذبيتها ومصداقيتها.
وفي المقابل، هناك جيل يطالب بالتمثيل والمشاركة، لكنه لم يبن بعد أدواته التنظيمية ولا مرجعيته السياسية.

إن ترشح الشباب خارج الأحزاب ليس هدفاً في حد ذاته، بل مؤشر على أزمة أعمق: أزمة الوساطة السياسية، وأزمة الثقة في المؤسسات، وأزمة المستقبل.
وإذا لم تتحول المبادرة إلى مسار وطني لإعادة بناء العقد السياسي بين الدولة والمجتمع، فإنها قد تبقى مجرد فقرة في مدونة الانتخابات الجديدة، سرعان ما تُنسى بعد الاقتراع.

 نحو عقد سياسي جديد أم تجميل مؤقت؟

الجدل الدائر حول مشاركة الشباب المستقلين في انتخابات 2026 ليس مجرد تفصيل قانوني، بل علامة على تحول ثقافي وسياسي عميق يعيشه المغرب.
فالجيل الجديد لم يعد يكتفي بالتنديد أو النقد من خلف الشاشات، بل يطمح إلى الانتقال من التفاعل إلى الفعل، من “اللايك” إلى “الترشح”، ومن “التعليق” إلى “التمثيل”.

لكن المستقبل سيتوقف على صدق الإرادة السياسية في تمكين هؤلاء الشباب فعلاً، وليس فقط توظيفهم كشعار انتخابي لتجميل الواجهة الديمقراطية.
فإذا استطاع المغرب أن يجعل من انتخابات 2026 منعطفاً حقيقياً نحو انفتاح سياسي شامل، فإنه سيعيد إحياء الأمل في ديمقراطية مغربية أصيلة، متجددة، تعيد بناء الثقة بين المواطن وصندوق الاقتراع.
أما إذا تم الاكتفاء بالتعديلات الشكلية، فإننا سنكون أمام نسخة مكرّرة من نفس المشهد: أحزاب متعبة، برلمان بلا روح، وشبابٌ يعزفون مجدداً عن السياسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى