سياسة

ملف الأحد: الملكية المواطنة في عهد جلالة الملك محمد السادس: 26 سنة من التحول العميق وبناء مغرب الحقوق والكرامة

ملف الأحد من إنجاز: عبدالله مشواحي الريفي


في مثل هذه الأيام من صيف 1999، لم يكن المغاربة يودّعون فقط عهدًا مضى، بل كانوا يفتحون صفحة جديدة من التاريخ، مع بزوغ عهد جلالة الملك محمد السادس، الذي اعتلى العرش في لحظة دقيقة، محمّلًا بأمل أمة، وتوق شعب، وطموح ملك شاب آمن بأن المغرب يستحق أكثر.

ست وعشرون سنة من الحكم… ليست مجرد أرقام، بل عقود من الإصلاح، من الأوراش المتواصلة، من القطيعة مع زمن التردد، ومن التأسيس لملكية مواطِنة، جعلت من الإنسان محور التنمية، ومن الوطن لاعبًا وازنًا في ميزان الجغرافيا السياسية.

في هذا الملف، ترصد “فاس 24 الرقمية” أبرز معالم هذه المرحلة التي غيّرت وجه المغرب، داخليًا وخارجيًا، في السياسة والاقتصاد، في المجتمع والدين، في البنية والوعي.

التحول من سلطة الخوف إلى “الملكية المواطنة”

منذ الخطابات الأولى لاعتلاء العرش، أطلق جلالة الملك محمد السادس رسائل سياسية مشفّرة وحاسمة: انتهى زمن الصمت، وبدأ عهد “المفهوم الجديد للسلطة”. لم يكن هذا المفهوم شعارًا بروتوكوليًا، بل بداية ثورة ناعمة على أساليب التسيير الكلاسيكي، عبر عقلنة الحكم، وتخليق الإدارة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومن هنا، بُنيت الثقة الجديدة بين العرش والشعب، وجاءت هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 لتُكمل القطيعة مع الماضي المؤلم، ليس فقط بجبر الضرر، بل بجبر الذاكرة، والانتقال إلى دولة تُحاسب نفسها بشجاعة، وتُصالح مجتمعها بحكمة.

العدالة الاجتماعية تبدأ من البيت: ثورة هادئة في مدونة الأسرة

في الوقت الذي كان فيه العالم العربي يعاني من جمود ثقافي، فجّر جلالة الملك محمد السادس واحدة من أكبر الثورات القانونية والاجتماعية في العالم الإسلامي، بإطلاق مدونة الأسرة الجديدة. هذه المدونة لم تُنصف المرأة فقط، بل أعادت التوازن لهيكل الأسرة المغربية، فرفعت سن الزواج، وقيّدت التعدد، ومنحت المرأة الحق في الطلاق، وكرّست المساواة في المسؤولية الأسرية.

كانت خطوة جريئة أزعجت التقليديين، لكنها أرست قاعدة حقيقية لبناء مجتمع حديث، تحضر فيه المرأة شريكة لا تابعة.

من المبادرة إلى الدستور: بناء دولة المواطنة من الأساس

في 2005، أطلق جلالة الملك محمد السادس المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهي بمثابة ثورة تنموية سعت لتجفيف منابع الفقر والهشاشة من الجذور، وليس فقط مداوات الجروح. آلاف المشاريع في القرى والمداشر، قروض صغرى، دعم للمقاولات الناشئة، وخدمات اجتماعية اخترقت الهامش المنسي، معلنة بداية زمن التنمية الترابية.

لكن لحظة التحول السياسي الكبرى جاءت مع إندلاع الشرارة الاولى للربيع العربي في 2011، حين أعلن جلالة الملك محمد السادس، وسط موجة اضطرابات إقليمية، عن مراجعة جذرية للدستور. لم يرضخ لضغط الشارع، بل تجاوزه بحكمة ملكية جعلت المغرب استثناء عربيًا بامتياز.

فالدستور الجديد وسّع صلاحيات رئيس الحكومة، عزز البرلمان، كرّس استقلال القضاء، واعترف بالأمازيغية كلغة رسمية، وأرسى مبادئ الجهوية المتقدمة… إنها ليست مجرد نصوص، بل إعادة هندسة للعلاقة بين الدولة والمجتمع.

الحقل الديني… معركة صامتة ضد التطرف

في زمن كانت فيه المساجد تُستعمل للتحريض، قاد جلالة الملك محمد السادس إصلاحًا هيكليًا جريئًا للحقل الديني، تحت شعار: إسلام الوسطية والاعتدال. تم تأهيل الأئمة، تنظيم الخطاب الديني، إعادة هيكلة المجالس العلمية، وإطلاق برامج لتكوين المرشدات الدينيات، في نموذج غير مسبوق في العالم الإسلامي.

هذا الحقل أصبح حصنًا منيعا ضد الغلو، ودرعًا وقائيًا يحفظ المغرب من نزيف الفكر المتطرف الذي اجتاح المنطقة.

البنية التحتية… حين تصبح الجغرافيا رأسمالًا

تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، لم تعد الجغرافيا قيدًا، بل فرصة.

فقد تحوّل ميناء طنجة المتوسط إلى أكبر موانئ إفريقيا، وربط المغرب تجاريًا بـ180 وجهة دولية.
وأطلق القطار فائق السرعة البراق، الأول من نوعه في إفريقيا، ليختصر المسافات ويعلن أن النقل الحديث لا يعرف الحدود.
أما محطة نور ورزازات للطاقة الشمسية، فقد جعلت من المغرب مختبرًا عالميًا للانتقال الطاقي النظيف.

ومعها، جاءت مخططات الفلاحة والصناعة، لتُحوّل المغرب إلى قاعدة صناعية رائدة في السيارات والطيران، وتُخلق عشرات الآلاف من فرص الشغل، وتُرفع مؤشرات التصدير.

ورشة الحماية الاجتماعية: الدولة تتكفل بمواطنيها

لم يكن مفاجئًا أن يعلن جلالة الملك محمد السادس سنة 2020 عن أكبر ورش اجتماعي في تاريخ البلاد: تعميم الحماية الاجتماعية.

في بلد كان يعيش ازدواجية صارخة بين المأجورين وغير المهيكلين، جاء الورش ليكسر هذا الحيف، فشمل الدعم الشهري للأسر التي تعاني الهشاشة و التغطية الصحية والتقاعد والتعويضات العائلية كل الفئات، من التجار إلى الحرفيين إلى العاملين غير الأجراء.

إنها خطوة عملية نحو الدولة الاجتماعية، لا تُسقط أحدًا من خيمتها، وتضمن الحد الأدنى من الكرامة للجميع.

دبلوماسية محمد السادس: ثبات في الصحراء، وحضور في إفريقيا والعالم

في عهد جلالة الملك محمد السادس، لم تكن الدبلوماسية المغربية ترد الفعل، بل تصنع الحدث.

أعاد المغرب تموقعه في إفريقيا بالعودة القوية إلى الاتحاد الإفريقي، وأطلق شراكات جنوب-جنوب حقيقية، وليس شعارات.

أما في ملف الصحراء المغربية، فقد أثمرت الجهود الملكية اعترافات تاريخية من قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، إسبانيا، ألمانيا،فرنسا… ودول إفريقية عديدة فتحت قنصليات في العيون والداخلة.

في المقابل، تحرك المغرب بهدوء لتعميق الشراكات الدولية مع أوروبا، آسيا، أمريكا اللاتينية ودول الخليج، ليصبح لاعبًا استراتيجيًا على أكثر من رقعة.

مونديال 2030… تتويج لمغرب لا يرضى إلا بالصدارة

بعد محاولات متعددة، جاء الحسم سنة 2023: المغرب يُنظم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، في اعتراف صريح بقدراته اللوجستية والسياسية.

إنه ليس فقط مكسبًا رياضيًا، بل تتويجًا لسنوات من العمل في صمت، والبناء في العمق، والاستثمار في البنية التحتية الرياضية والمطارات والملاعب.

 الملكية المواطِنة تصنع مغربًا لا يتوقف عن التقدم

ليست الملكية في المغرب مجرد مؤسسة سياسية، بل مشروع مجتمعي يقوده جلالة الملك محمد السادس، بروح وطنية، واستشراف استراتيجي، وجرأة إصلاحية نادرة في المنطقة.

من المفهوم الجديد للسلطة، إلى الحماية الاجتماعية، ومن البنية التحتية إلى نصر الصحراء، ومن الانفتاح الحقوقي إلى تنظيم كأس العالم… لا شيء أُنجز بالصدفة، ولا ورش كان ارتجالًا.

إنه مغرب الملكية المواطنة… مغرب يتغير، ويُغيّر، ويصر على أن يكون في قلب الزمن لا على هامشه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى