مجتمع

ملف الأحد: المغرب العميق بين “الوعود الاجتماعية” المعطلة وفشل الحكومة في الإنصات… الاحتجاجات تتصاعد بمرارة!

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

يكتنف المشهد الاجتماعي المغربي صراعات مكتومة تتفجر بين الفينة والأخرى على مرأى ومسمع من الحكومات المتعاقبة، لتكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي وواقع “المغرب العميق”. فبينما تتوالى الشعارات البراقة حول “الدولة الاجتماعية”، تظل شرارة الاحتجاجات متقدة، لتؤكد أن المطالب الأساسية للمواطنين، خاصة في المناطق الهشة، لم تجد طريقها بعد إلى التنزيل الفعلي والإنصات الحقيقية، و تظهر بجلاء أن الفوز في الإنتخابات ليس معيارا حقيقيا لقوة الأحزاب التي تفتقد الى كاريزما الحفاظ على السلم و الأمن الإجتماعي من خلال برامج تنموية تستهدف كل المغاربة من طنجة الى لكويرة.

مسيرة أيت بوكماز: صرخة على طريق وعر تكشف عجز الحكومة

لقد كانت مسيرة أيت بوكماز الأخيرة في أزيلال، والتي قطع فيها الأهالي أكثر من 120 كيلومتراً سيراً على الأقدام للوصول إلى عمالة الإقليم، ليست مجرد حدث عابر، بل هي أيقونة لمأساة اجتماعية متجذرة وتهميش ممنهج. هذه المسيرة المنهكة ليست سوى ترجمة بليغة لحالة اليأس التي تدفع بالضعفاء إلى خيارات صعبة، بحثاً عن أبسط حقوقهم. فما الذي يدفع مجموعة من المواطنين إلى هذا العناء الجسدي والنفسي، لو لم تنفد كل الحلول وتغلق كل الأبواب في وجوههم؟ إنها صرخة مدوية في وجه التهميش والتقاعس الحكومي الصارخ، لتُبرهن أن الوعود الحكومية غالباً ما تتبخر قبل أن تصل إلى عتبات القرى والمداشر النائية، لتُسقط قناع حكومة لا تُدرك معنى المسؤولية.

عطش الوطن: الماء الشروب و”الوعود الحكومية” الزائفة

لم تعد قضايا توفير الماء الشروب مجرد حوادث متفرقة، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية مقلقة تتواتر في العديد من مناطق المغرب، لا سيما القروية منها. وبينما يشكل الماء عصب الحياة وحقاً دستورياً، نرى احتجاجات تتوالى، تدعو وتطالب وتستغيث للحصول على قطرة ماء نظيفة. هذا المشهد المأساوي يطرح تساؤلات جدية حول مدى نجاعة الحكومة الحالية في تنزيل مفهوم “الدولة الاجتماعية” الذي دعا إليه جلالة الملك محمد السادس بوضوح ورؤية ثاقبة. فكيف يمكن لحكومة أن تدعي بناء دولة اجتماعية بينما يعاني جزء كبير من المواطنين من شح في أبسط مقومات الحياة؟ إن عجز حكومة أخنوش عن ضمان توفير الماء الصالح للشرب في كل ربوع الوطن هو مؤشر صارخ على تباطؤها المريع وفشلها الذريع في إدراك جوهر هذا المفهوم الملكي السامي، وكأنها تتعمد إغفال معاناة شعبها.

الاحتجاجات العابرة للحكومات: تاريخ من الفشل في التنزيل يكتبه أخنوش اليوم

إن ما يميز الحراك الاجتماعي في المغرب هو طابعه العابر للتاريخ والزمن والحكومات المتعاقبة. فمنذ عقود، تتكرر نفس المطالب الأساسية: الحق في التعليم، الصحة، الشغل، البنية التحتية اللائقة، والعيش الكريم. هذا التكرار، ليس دليلاً على مطالب تعجيزية من قبل المواطنين، بل هو برهان ساطع على فشل السياسات الحكومية المتتالية في عملية التنزيل. كل حكومة تأتي بشعاراتها ووعودها الجوفاء، لكن القليل منها يترجم على أرض الواقع، وكأن هناك حلقة مفرغة من غياب الرؤية الاستراتيجية الحقيقية أو ربما غياب الإرادة السياسية الصادقة لمعالجة هذه الملفات المستعصية، وفشل حكومة أخنوش اليوم يضيف فصلاً جديداً ومؤلماً لهذا السجل الطويل.

نظرة ملكية ثاقبة وتنزيل حكومي متعثر يقوده رئيس يفتقد الكاريزما والإنجاز

عندما تحدث جلالة الملك محمد السادس عن الفوارق الاجتماعية وضرورة تقليصها، كان إدراكه عميقاً لمتطلبات أبناء شعبه. فخطاباته الملكية المتتالية حملت رؤية واضحة لمغرب يتسم بالعدالة الاجتماعية والمجالية، ووجهت الحكومات نحو مسار يهدف إلى تحسين ظروف عيش المواطنين، لا سيما في المغرب العميق الذي يعاني من الهشاشة والتهميش. لكن للأسف، يبدو أن التنزيل الحكومي لهذه التوجيهات الملكية فاشل بشكل ذريع أو على الأقل بطيء وغير فعال، لتضع حكومة أخنوش نفسها في خانة الحكومات التي خذلت تطلعات الشعب.

إن رئيس الحكومة الحالي،  عزيز أخنوش، يُتقن الشعارات الرنانة والتهديدات الفارغة في خطاباته، لكنه يفتقر بشكل واضح إلى الكاريزما السياسية التي تمكنه من لمس قلوب المواطنين وإلهام الثقة في قدرة حكومته على إحداث التغيير المنشود. هذا الافتقار يظهر بوضوح في غياب سياسة الإنصات الحقيقية للمطالب الشعبية، والتي هي مطالب حقة ومشروعة ويضمنها دستور 2011. فالدستور المغربي يكرس العديد من الحقوق الأساسية، لكن هذه الحقوق تظل حبراً على ورق ما لم يتم تفعيلها عبر سياسات عمومية ناجعة ومستجيبة لاحتياجات المواطنين، وهذا ما عجزت عنه حكومة أخنوش بامتياز.

ميثاق الدولة الاجتماعية بين الطموح الملكي والواقع الحكومي المزري

لقد جاء ميثاق الدولة الاجتماعية ليؤكد التزام المغرب ببناء مجتمع تتضاءل فيه الفوارق ويتمتع فيه الجميع بالكرامة والعدالة. هذا الميثاق الملكي الطموح يهدف إلى تعميم الحماية الاجتماعية، وتوفير تعليم ذي جودة، وصحة متاحة للجميع، والقضاء على الهشاشة. لكن واقع الحال يشير إلى أن الطريق لا يزال طويلاً وشاقاً لتحقيق هذه الأهداف، بسبب البطء والتردد الواضحين في الأداء الحكومي وهو نفس المعطى الذي اشار اليه رئيس الحكومة نفسه عندما حل بالبرلمان الاثنين المنصرم . فالمبادرات الملكية، على جلالتها وأهميتها، تحتاج إلى ذراع تنفيذي قوي وفعال، يتمتع بالمسؤولية والإرادة السياسية لتحويل هذه الرؤى إلى برامج عمل ملموسة ونتائج محسوسة على حياة المواطنين، وهو ما لا تظهره حكومة أخنوش في أدائها الباهت.

إن المطالب البسيطة للساكنة، من ماء صالح للشرب، وطرق معبدة، ومدارس لائقة، وخدمات صحية قريبة، ليست مطالب ترفيهية، بل هي أبسط حقوق المواطنة التي يجب أن توفرها أي دولة لمواطنيها. إن استمرار تجاهل هذه المطالب أو تباطؤ الاستجابة لها، يولد شعوراً بالإحباط والغبن، ويدفع إلى المزيد من الاحتجاجات التي لا يمكن قمعها بالشعارات أو التهديدات، التي يبدو أن حكومة أخنوش تتقنها أكثر من إنجازاتها.

وهام انتخابية وواقع مرير: حكومات على خطى الوعود الجوفاء

لطالما كانت الساحة السياسية المغربية مسرحاً لـوعود انتخابية خاوية على عروشها. فالحكومة الحالية، على غرار سابقاتها، تتقن فن إطلاق الشعارات البراقة والوعود الوردية خلال المواسم الانتخابية، لكن ما أن تمر صناديق الاقتراع وتستقر الكراسي، حتى تتلاشى هذه الوعود في مهب الريح. لا شيء يذكر من تلك التعهدات التي بُنيت عليها آمال المواطنين البسطاء، وكأن غاية هذه الحكومات لا تتعدى الفوز بمنصب ثم الغرق في سبات عميق. هذا النمط المتكرر من الخداع السياسي يفاقم من أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسة الحكومية، ويؤكد أن الشعب يئن تحت وطأة سياسات لا تتجاوز حدود الأوراق والحبر.

ضرورة مراجعة السياسات والإنصات الحقيقي… قبل أن تنفجر الأوضاع!

لقد حان الوقت لمراجعة شاملة وواقعية للسياسات الحكومية الحالية، ووقف هذا العبث في تسيير الشأن العام. إن بناء “الدولة الاجتماعية” يتطلب أكثر من الخطابات؛ يتطلب رؤية استراتيجية واضحة، وحوكمة رشيدة، ومساءلة حقيقية، وقبل كل شيء، سياسة إنصات فعالة ومستمرة للمواطنين. فالاحتجاجات ليست مجرد ضجيج، بل هي رسائل مشفرة من عمق المجتمع، تحمل في طياتها مطالب حقة وشرعية، وعلى حكومة أخنوش أن تفهم ذلك جيداً.

ما لم تتغير المقاربة الحكومية نحو هذه الملفات، وما لم يتم إيلاء الأولوية القصوى لمعالجة الفوارق الاجتماعية ومعاناة المغرب العميق، فإن عجلة الاحتجاجات لن تتوقف، وستبقى قضايا الماء الشروب والمسيرات المنهكة مجرد عناوين متكررة. فهل تستفيق هذه الحكومة من سباتها وتدرك حجم التحدي، وهل تستجيب لصوت الشعب الذي يزداد غضباً، قبل أن تفقد كل ما تبقى من ثقة وتنغمس البلاد في موجة احتجاجات قد يصعب احتواؤها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى