مجتمع

ملف الأحد: المغاربة وسؤال الكرامة المعيشية… حين يتحول “العيش الكريم” إلى حلم مؤجل مع حكومة أخنوش

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

لم يعد سؤال الكرامة المعيشية مجرّد شعار اجتماعي يُرفع في الاحتجاجات أو في بيانات المعارضة، بل أصبح وجعًا يوميًا في تفاصيل حياة المواطن المغربي.
فبين الغلاء الذي لا يهدأ، والبطالة التي تتسع رقعتها، وتآكل الطبقة الوسطى، وتدهور الخدمات العمومية، يعيش المغاربة اليوم مرحلة قاسية من “سنوات العجاف”، في ظل حكومة رفعت شعارات كبرى عن “الدولة الاجتماعية” و“الكرامة للمواطن”، لكنها تركت الواقع يزداد هشاشة وفقرًا.

خمس سنوات من الوعود الفضفاضة كانت كافية ليكتشف الناس أن ما قُدِّم لهم لم يكن سوى خطابًا تسويقيًا، بلا أثر ملموس في الأسواق، ولا في الأجور، ولا في فرص الشغل.

الغلاء… نارٌ تلتهم القدرة الشرائية

منذ مطلع 2022، لم تفارق الأسعار منحاها التصاعدي. كل المؤشرات الاقتصادية تؤكد أن المواطن المغربي يعيش تحت ضغط تضخمي غير مسبوق منذ عقدين.
فأسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسب تراوحت بين 30% و70% في بعض المنتجات الأساسية، مثل الزيوت والخضر واللحوم، رغم الحديث المتكرر عن “تراجع تدريجي” في المؤشرات.

القدرة الشرائية للأسر تراجعت بشكل حاد، إذ تشير المندوبية السامية للتخطيط إلى أن أكثر من نصف الأسر المغربية تعتبر مداخيلها غير كافية لتغطية المصاريف الأساسية. ومع ذلك، تواصل الحكومة الحديث عن “الاستقرار المالي” و“المؤشرات الإيجابية”، وكأنها تتحدث عن بلد آخر.

لقد فقد المواطن ثقته في وعود الحكومة، لأن ما يراه في جيبه يناقض ما يسمعه في تصريحات الوزراء.

هجرة القرى… حين جفّ الماء وتوقفت الحياة

سبع سنوات من الجفاف المتواصل كانت كافية لتجعل الهجرة القروية تتحول إلى نزيف صامت.
من مداشر سوس والريف والجنوب الشرقي، غادرت آلاف الأسر أراضيها بحثًا عن فرصة عيش في المدن الكبرى، بعد أن خذلتها السماء وخذلتها أيضًا السياسات الفلاحية الحكومية التي ركزت على “الفلاحة التصديرية” بدل دعم الفلاح الصغير.

وفق معطيات وزارة الفلاحة، فقد خسر المغرب أكثر من 35% من إنتاجه الزراعي خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى فقدان عشرات الآلاف من فرص الشغل في المجال القروي.
وفي المقابل، لم تُقدّم الحكومة أي رؤية بديلة لتنمية القرى أو لخلق اقتصاد محلي يُبقي السكان في أراضيهم.

تزايدت الهجرة نحو المدن، فامتلأت ضواحي الدار البيضاء وطنجة وفاس بأحياء جديدة من الوافدين، تفتقر لأبسط شروط الحياة. كما ارتفعت محاولات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا بشكل مقلق، شملت هذه المرة ليس فقط الشباب، بل حتى الأطفال والقاصرين، في مشهد يعكس حجم اليأس الذي خيّم على البلاد.

البطالة… وعود مليون منصب شغل في مهب الريح

من بين الشعارات التي رُوّج لها بقوة في بداية ولاية حكومة أخنوش، شعار “خلق مليون منصب شغل في خمس سنوات”.
لكن بعد مرور أكثر من نصف الولاية، لم يتحقق سوى أقل من ربع هذا الهدف، وفق بيانات رسمية.

معدل البطالة الوطني قفز إلى حدود 13%، بينما تجاوز 35% في صفوف الشباب الحضري، وهو رقم ينذر بانفجار اجتماعي وشيك.
حتى برامج التشغيل التي تم الترويج لها مثل “فرصة” و**“أوراش”**، تحولت إلى مبادرات محدودة الأثر، تُوزع فيها العقود المؤقتة بلا ضمانات، في محاولة لتجميل صورة سياسية متصدعة.

إن فشل الحكومة في خلق مناصب شغل حقيقية يعود، كما يرى الخبراء، إلى غياب رؤية اقتصادية شمولية تركز على القطاعات الإنتاجية، مقابل تغوّل مصالح اللوبيات الكبرى التي تتحكم في السوق دون محاسبة أو تنافسية.

الطبقة الوسطى… من عماد المجتمع إلى فئة مهددة بالانقراض

لم يعد خافيًا أن الطبقة الوسطى، التي كانت تشكل ركيزة التوازن الاجتماعي في المغرب، تعيش اليوم على حافة الفقر.
موظفو الدولة، والأساتذة، وصغار التجار، يجدون أنفسهم عاجزين عن مجاراة الأسعار، بينما الأجور ظلت جامدة.

تقرير البنك الدولي لعام 2025 أكد أن نسبة الطبقة الوسطى تقلصت بنحو 9% خلال خمس سنوات، ما يعني أن مئات الآلاف من الأسر انتقلت من خانة “المستقرة” إلى خانة “الهشة”.
ومع تقلص هذه الفئة، تتآكل منظومة الاستهلاك الداخلي، وتضعف ثقة المواطن في مستقبله الاقتصادي.

الناس لم يعودوا يحلمون بشراء مسكن أو سيارة، بل فقط بتأمين الغذاء والدواء. وهذه أخطر مؤشرات التراجع الاجتماعي في بلد كان يفاخر لعقود بقدرة مواطنيه على الصمود.

الصحة والتعليم… الوجه الآخر للهشاشة

كل المؤشرات تؤكد أن القطاعات الاجتماعية تعيش تراجعًا مقلقًا.
المدرسة العمومية ما تزال في وضع هش، والمستشفيات العمومية في حالة عجز مزمن.

في التعليم، تزداد الفوارق بين تعليم عمومي متدهور وتعليم خصوصي يلتهم جيوب الأسر.
وفي الصحة، ورغم تعميم نظام التغطية الصحية (AMO)، فإن نقص الأطر الطبية والتجهيزات يجعل آلاف المواطنين عاجزين عن تلقي علاجهم إلا في المصحات الخاصة المكلفة.

ما يسمى بـ“الدولة الاجتماعية” بقي حبرًا على ورق، لأن الحكومة اختارت الخطاب بدل الفعل، والإعلان بدل الإصلاح.

سنوات العجاف… حين صمتت التنمية ونطقت الأزمة

منذ تشكيل حكومة أخنوش، دخل المغرب مرحلة يمكن وصفها بـ“سنوات العجاف التنموية”.
تراجع النمو الاقتصادي، وتدهورت مؤشرات الثقة، وارتفعت الديون العمومية، دون أن يشعر المواطن بأي تحسن في معيشته.

تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أشار صراحة إلى أن “الحكومة تفتقر إلى رؤية منسقة وشاملة لمحاربة الهشاشة، وتعتمد مقاربة مجزأة لا تحقق الأثر المطلوب”.

في المقابل، اكتفت الحكومة بالاحتفاء بإنجازات إعلامية وشعارات جوفاء من قبيل “الازدهار للجميع” و“المغرب الجديد”، بينما الواقع يقول: المغاربة لم يعيشوا سوى الغلاء، البطالة، وتآكل الكرامة المعيشية.

أفق الغد… نحو عقد اجتماعي جديد

لن يستقيم الوضع إلا بإصلاح حقيقي وشجاع يعيد الثقة بين المواطن والدولة.
فلا تنمية بدون عدالة اجتماعية، ولا عدالة بدون محاسبة سياسية حقيقية.

يحتاج المغرب اليوم إلى عقد اجتماعي جديد يضع الإنسان في قلب السياسات العمومية، ويُعيد الاعتبار للمدرسة، والمستشفى، والشغل الكريم.
كما يحتاج إلى كسر منطق الريع والاحتكار، وفتح المجال أمام الكفاءات والمبادرات المواطنة بدل التكنوقراط والوعود الإعلانية.

 الكرامة ليست شعارًا… إنها الحق الأول

الكرامة المعيشية ليست مطلبًا شعبويًا كما تحاول بعض الأصوات التقليل منه، بل هي جوهر كل مشروع وطني حقيقي.
فالشعارات لا تُطعم جائعًا، ولا تُشغّل عاطلًا، ولا تُعالج مريضًا.
وما لم تُدرك حكومة أخنوش أن المغاربة لا يطلبون المستحيل، بل فقط أن يعيشوا بكرامة في وطنهم، فإن البلاد ماضية نحو مزيد من الغضب الاجتماعي، ومزيد من تآكل الثقة في المؤسسات.

لقد أنهكت سنوات العجاف المواطن، وحان الوقت لسياسات تزرع الأمل بدل الإحباط… ولحكومة تُصغي بجدّ، لا تكتفي بالتصفيق لنفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى