سياسة

ملف الأحد :الأمن العالمي من منظور مغربي: استراتيجية ملكية ورؤية استخباراتية متجددة في مواجهة التحديات العابرة للحدود

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

في لحظة دولية تتزايد فيها التهديدات الأمنية وتنهار فيها أنماط اليقين التقليدية، برز المغرب خلال السنوات الأخيرة كفاعل مركزي في هندسة الأمن العالمي، ليس بوصفه دولة تبحث عن موقع بين القوى، بل باعتباره نموذجاً ناجعاً يحقق المعادلة التي فشلت فيها أنظمة كثيرة: بناء أمن داخلي صلب، وتحصين مستمر للحدود، وتطوير قدرات استخباراتية نوعية، وفي الوقت ذاته الانخراط في الجهود الدولية لمواجهة الإرهاب والجريمة المتطورة، دون التفريط في ثوابته السيادية أو خصوصيته الدينية والثقافية. وقد شكّل اختيار مدينة مراكش لاحتضان الدورة 93 للجمعية العامة للإنتربول في نونبر 2025 لحظة مفصلية تعكس بوضوح حجم الاعتراف الدولي بهذا النموذج، إذ لم يعد المغرب مجرد بلد مستقر في محيط مضطرب، بل تحوّل إلى قوة أمنية صامتة تُنتج الاستقرار داخل حدودها وتصدّ المخاطر عن جوارها بل وعن أوروبا التي باتت تعتمد على الخبرة المغربية في إحباط أخطر المخططات الإرهابية.

هذا الاعتراف لم يكن وليد ظرفية أو نتيجة توازنات سياسية راهنة، بل حصيلة رؤية ملكية بعيدة المدى أعادت منذ مطلع الألفية بناء مؤسسات الأمن والاستخبارات على أسس جديدة، قائمة على الاستباق بدل رد الفعل، وعلى الدمج بين المعلومة الدقيقة والقدرة العملياتية، وعلى جعل الأمن ليس مجرد جهاز إداري، بل مشروع دولة متكامل تتحرك فيه كل المؤسسات وفق هندسة متناسقة. ويكشف هذا الملف كيف أصبح المغرب أحد أعمدة الأمن الدولي عبر رؤية ملكية، وقيادة استخباراتية موحّدة، وتعاون دولي واسع، وقدرات نوعية جعلت منه حائط صد في مواجهة الإرهاب العابر للقارات والهجرة غير النظامية وشبكات الجريمة المنظمة، وهي شبكة تهديدات باتت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

الرؤية الملكية: حين يتحوّل الأمن إلى مشروع وطني طويل المدى

تقوم المقاربة الأمنية المغربية، كما صاغتها القيادة الملكية، على بناء منظومة أمنية شمولية لا تكتفي بالتدخل في لحظات الخطر، بل تعمل على إنتاج حالة دائمة من التحصين الاجتماعي والديني والتنموي. فالأمن في المفهوم الملكي ليس عملاً بوليسياً فقط، بل هو إطار شامل ينطلق من تقوية اللحمة الداخلية، إلى ضبط الحقل الديني، إلى تطوير الأجهزة التقنية والاستخباراتية، وصولاً إلى التعاون الدولي، لأن التهديدات العابرة للحدود لا يمكن مواجهتها بحدود مغلقة ولا بأجهزة منعزلة.

وقد اعتمدت هذه الرؤية على الاستباق باعتباره عقيدة مؤسسة. فبدل أن تنتظر الدولة تشكل الخلايا الإرهابية أو بدء تنفيذ الهجمات أو ظهور شبكات التهريب، يجري العمل على رصد المؤشرات الأولى للحركة المشبوهة، وتحليل المعطيات الميدانية والاستخباراتية، وتفكيك التهديد في مهده. ويُعدّ هذا التحول من أهم عناصر نجاح التجربة المغربية، إذ جعل المغرب في موقع دولة تتحكم في الزمن الأمني، فلا تفاجَأ بالأحداث، ولا تتعرض لهزات فجائية، بل تُبقي مستوى المخاطر تحت السيطرة، عبر منظومة يقظة متواصلة.

وفي العمق، يقوم هذا الاختيار على إدراك ملكي واضح لطبيعة المخاطر الجديدة، التي لم تعد مرتبطة فقط بالجماعات الإرهابية التقليدية، بل امتدت إلى الذئاب المنفردة، والشبكات الرقمية العابرة للقارات، وتقاطعات الجريمة المنظمة مع الاتجار بالبشر والهجرة والتهريب وتبييض الأموال. ومن ثمّ، فإن الاستراتيجية الملكية حرصت على إعادة بناء الأجهزة الاستخباراتية والشرطية بما يجعلها قادرة على مواكبة هذه التهديدات المتغيرة باستمرار، وهو ما يظهر جلياً في المكانة التي أصبحت تحتلها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني كأحد أهم الأجهزة الإقليمية في إنتاج المعلومة الأمنية الدقيقة.

البعد الديني والفكري: معالجة جذور التطرف بدل الاكتفاء بمحاصرته أمنياً

من أبرز أبعاد الرؤية الملكية اعتماد مقاربة وقائية تقوم على تجفيف منابع التطرف من خلال ضبط الحقل الديني وإحداث منظومة إرشاد علمية وروحية تقطع الطريق على الجماعات المتشددة في استغلال الثغرات الفكرية والاجتماعية. فقد عملت المملكة، بإشراف مباشر من أمير المؤمنين، على تكوين الأئمة والمرشدين، وتوحيد المرجعية الدينية، وإطلاق مبادرات إفريقية واسعة لتأطير الحقل الديني في البلدان المجاورة، خصوصاً في منطقة الساحل حيث تنتشر الجماعات المتطرفة بشكل واسع.

وتتمثل قوة هذه المقاربة في كونها لا تتعامل مع الظاهرة الإرهابية فقط باعتبارها تهديداً أمنياً، بل باعتبارها نتاجاً لأفكار مشوّهة ولحالات اجتماعية هشّة يمكن علاجها وتحصينها. وهذا ما يجعل المغرب اليوم من الدول القليلة التي نجحت في تقليص نسبة التجنيد الداخلي إلى مستويات متدنية، مقارنة بما يجري في دول أخرى، بفضل هذا التكامل بين الأمن والفكر والدين.

نموذج “مصالحة”: إعادة الإدماج بدل إعادة الإنتاج

ولأن الرؤية الملكية تتجاوز المقاربة الزجرية، فقد تم اعتماد برنامج “مصالحة” داخل السجون لإعادة تأهيل المدانين في قضايا التطرف من خلال مسارات فكرية ونفسية وتربوية، تهدف إلى تفكيك بنيتهم الفكرية المتشددة وإعادة إدماجهم في المجتمع. وتجربة “مصالحة” ليست مجرد مقاربة اجتماعية، بل عنصر أساسي في منظومة أمنية حديثة تمنع عودة هؤلاء إلى شبكات التطرف بعد الإفراج عنهم، ما يقطع الطريق أمام الدورات المتكررة للإرهاب التي شهدتها دول عديدة بسبب غياب برامج إعادة الإدماج.

المدير العام للأمن الوطني والمخابرات المدنية: هندسة موحّدة جعلت القرار الاستخباراتي أكثر سرعة ودقة

يُعدّ الجمع بين قيادة المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني تحت مسؤولية واحدة  لعبداللطيف حموشي نقطة تحول استراتيجية في تاريخ الأمن المغربي، لأنها جعلت الجهازين يعملان وفق رؤية موحدة، وقنوات تنسيق مفتوحة، وزمن عملياتي قصير، ما عزز من قوة المنظومة ورفع مستوى الجاهزية.

فالمديرية العامة للأمن الوطني تعمل على تنزيل الخطط الميدانية وتطوير القدرات التقنية، بينما تقوم DGST بإنتاج المعلومة وتحليلها وتوجيه الضربات الاستباقية. هذا التناغم بين التحليل والتنفيذ هو ما جعل العديد من العمليات الأمنية تتم بسرعة ونظافة، كما مكّن الأجهزة من ضبط شبكات إرهابية وتهريبية معقدة قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

وقد رسّخت هذه القيادة الموحّدة فلسفة جديدة داخل الأجهزة الأمنية تقوم على الحكامة والتخليق، وعلى مكافحة الفساد الداخلي، وعلى تعزيز ثقة المواطن في مؤسسة الأمن باعتبارها شريكاً في حماية المجتمع وليس مجرد جهاز تنفيذي.

الأمن الوطني (DGSN): شرطة عصرية في خدمة المواطن

شهد جهاز الأمن الوطني طفرة نوعية خلال السنوات الأخيرة، تجلت في تحديث شامل لوسائل العمل، واعتماد التكنولوجيا المتقدمة، وتطوير أنظمة المراقبة الذكية، وإحداث مصالح جديدة متخصصة في محاربة الجريمة الرقمية، ومواكبة التحولات العالمية في الجريمة المنظمة.

وتبرز قوة هذا التحول في قدرتين أساسيتين:

  • القدرة على التحرك الميداني السريع بفضل فرق مدربة ومجهزة

  • القدرة على تحليل البيانات الرقمية بفضل بنية تقنية متطورة

أما المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ)، الذي يُعد الذراع العملياتي لـDGST، فقد أصبح مقروناً في الأدبيات العالمية بما يشبه “FBI المغرب”، نظراً لحجم العمليات التي نفذها في تفكيك الخلايا الإرهابية واعتقال عناصر خطيرة وإحباط تهديدات عابرة للحدود.

DGST: الجهاز الذي ينتج المعلومة ويرسم خرائط الخطر

تعد DGST أحد أعمدة الأمن الإقليمي، ليس فقط لأنها تنتج المعلومة الدقيقة، بل لأنها أصبحت المصدر الأكثر مصداقية لدى الأجهزة الغربية، وهو ما جعل التعاون الاستخباراتي بين المغرب وأوروبا يصل إلى مستويات غير مسبوقة. وقد ساهمت المعلومات المغربية في إحباط هجمات إرهابية داخل دول أوروبية، كما ساعدت في كشف شبكات متورطة في تجنيد عناصر لصالح “داعش” وتفكيك خلايا نائمة كانت تخطط لعمليات دموية.

ويظهر هذا الدور النوعي في قدرتها على فهم التهديدات الناشئة، خصوصاً:

  • الخلايا العائدة من بؤر التوتر

  • الذئاب المنفردة

  • الشبكات العابرة لمنطقة الساحل

  • الجريمة السيبرانية

  • التحالفات بين الإرهابيين وشبكات التهريب

موقع المغرب في الأمن العالمي: ثلاث جبهات دولية تبرز وزن المملكة

الجبهة الأولى: مكافحة الإرهاب العابر للقارات

بعد أحداث الدار البيضاء سنة 2003، أعاد المغرب بناء استراتيجيته الأمنية بالكامل، ما مكّنه من تفكيك أكثر من 200 خلية منذ 2002. ولم يعد دوره داخلياً فقط، بل أصبح فاعلاً حاسماً في إحباط عمليات في أوروبا بفضل التعاون الوثيق مع إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا.

الجبهة الثانية: الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر

يمثل المغرب نقطة عبور رئيسية نحو أوروبا، ومع ذلك استطاع عبر مقاربة أمنية وإنسانية متوازنة أن:

  • يحد من تدفق المهاجرين

  • يفكك شبكات الاتجار بالبشر

  • يوفر تسوية قانونية لآلاف المهاجرين

  • يحمي السواحل الجنوبية لأوروبا

هذا الدور يستهلك جهداً أمنياً هائلاً لكنه يعكس إدراكاً لكون الهجرة ليست مجرد ملف حدودي، بل قضية إنسانية معقدة.

الجبهة الثالثة: مواجهة الجريمة المنظمة والتهديدات السيبرانية

الجريمة اليوم لم تعد تقليدية، بل أصبحت مرتبطة بشبكات دولية معقدة تعمل على الاتجار بالمخدرات وغسيل الأموال وتنفيذ عمليات قرصنة رقمية. وقد استطاع المغرب عبر النموذج الأمني الموحد لمديرية الأمن وDGST أن يحقق اختراقات مهمة في تفكيك شبكات الكوكايين والاتجار عبر المحيط الأطلسي، كما فاعل دوره في الإنتربول لمحاربة الابتزاز السيبراني والاحتيال الرقمي.

 لماذا أصبح المغرب شريكاً دولياً لا يمكن تجاوزه؟

لأن المملكة، بقيادة ملكية واضحة واستراتيجية أمنية متماسكة، استطاعت أن:

  • تبني جهازاً استخباراتياً يعدّ من الأقوى إقليمياً

  • تطوّر شرطة عصرية ذات كفاءة عالية

  • تنخرط في التعاون الدولي دون فقدان سيادتها

  • تتحول إلى حائط صدّ أمام التهديدات العالمية

  • تقدم نموذجاً إفريقياً وعربياً في الأمن والتنمية

  • تثبت أن الأمن ليس مقاربة قمعية بل مشروع مجتمع

ومن ثم فإن استضافة مراكش للإنتربول ليست حدثاً عادياً، بل إعلان دولي بأن المغرب أصبح شريكاً استراتيجياً في ضمان أمن العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى