ملف الأحد:زلزال سياسي جديد.. الخطاب الملكي يطيح بـ”عقلية الانتظار”.. ويُشهر سيف المحاسبة..و يطلق رصاصة الرحمة على عقلية التهاون والبيروقراطية المترسخة

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
في يوم جمعة استثنائي، لم يكن الخطاب الملكي أمام البرلمان مجرد طقس دستوري لاختتام سنة تشريعية، بل كان بيانًا استراتيجيًا ناريًا يُعيد صياغة العقد الاجتماعي التنموي للمملكة. جلالة الملك لم يأتِ لـ”تقييم” المسار فحسب، بل ليُطلق رصاصة الرحمة على عقلية التهاون والبيروقراطية المترسخة، ويُدشن عصر “النتائج” المطلقة. الخطاب، الذي جاء في ختام الولاية التشريعية، لم يترك أي مجال للـ”ترهل المؤسساتي”؛ بل طالب بـ**”تعطيل” فترة نهاية الولاية**، وتحويلها إلى أقصى درجات اليقظة والالتزام.
لقد وضع جلالته، بوضوح لافت، المؤسسة التشريعية أمام مرآة المسؤولية، مُحذراً من أي “تنافس أو تناقض” بين المشاريع الكبرى والطموحات الاجتماعية. فـ”المغرب الصاعد” الذي يتحدث عنه الخطاب، ليس مجرد حلم اقتصادي، بل هو مشروع عدالة مجالية واجتماعية شاملة. النخبة مدعوة للنزول من أبراجها العاجية والمساهمة في “تأطير المواطنين”، مُسقطاً مسؤولية التواصل عن عاتق الحكومة وحدها، ومُعلناً أن البرلمانيين والأحزاب ووسائل الإعلام هم “خط الدفاع الأول” عن الحقوق والحريات. هذه ليست دعوة للمشاركة؛ إنها أمر بالانخراط في معركة التعبئة الوطنية الشاملة.
القسم الأول: تصفير العداد السياسي.. ونهاية “الترهل التشريعي”
الرسالة الأقوى في بداية الخطاب كانت موجهة بشكل مباشر للبرلمانيين: “تكريس السنة الأخيرة للعمل بروح المسؤولية”. هذا التوجيه ليس نصيحة، بل تدخل ملكي حاسم لضمان عدم تبديد “الزمن السياسي” الثمين في الاستعدادات الانتخابية المبكرة. فالدولة لا تتوقف، والمخططات التشريعية يجب أن تُستكمل بـ**”يقظة والتزام”**.
الدبلوماسية الموازية، التي أشاد بها الخطاب، نالت “حقنة” تنشيطية جديدة، مطالبة بـ**”المزيد من الاجتهاد والفعالية”**. هذا يعني أن دورها يجب أن يتجاوز المجاملات البروتوكولية إلى أن تكون “ذراعاً ضاربة” للدبلوماسية الرسمية في خدمة القضايا العليا.
لكن الكلمة المفتاح هنا هي “المواطن”. الخطاب يُدين، ضمنياً، كل ممارسة سياسية أو إعلامية تُحدث فجوة بين العمل العمومي وبين فهم المواطن له. “تأطير المواطنين” لم يعد اختياراً ترفياً، بل فرض عين على كل القوى الحية. فالجهل بالقوانين، والانسحاب من التفاعل، يُعد في نظر الخطاب “إخفاقاً جماعياً”. بهذا، يكون الخطاب قد أرسى معيارًا جديدًا للحكامة: شفافية الإيصال لا تقل أهمية عن نجاعة الإنجاز.
القسم الثاني: “المغرب الصاعد”.. مَنْ يصعد ومَنْ يسقط؟
هنا، يضع الخطابُ إصبعه على الجرح الأعمق في مسار التنمية المغربية: الفوارق المجالية. جلالته يُعلنها صراحة: العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية ليست “شعارا فارغا” أو “أولوية مرحلية”. بل هي “توجه استراتيجي” و “رهان مصيري”. هذا التصنيف يُعلي من قيمة “العدالة المجالية” لتصبح القضية الوطنية الأولى التي يجب أن يخضع لها كل تخطيط حكومي.
لقد أكد الخطاب أن التنمية المحلية هي “المرآة الصادقة”. وهي استعارة بليغة لتجنب الانبهار بـ”واجهة المدن” الكبرى. فـ”المغرب الصاعد” يُقاس بمدى صعود أقصى القرى والمناطق الهشة. هذا هو المعيار الذي لا يقبل التجميل أو التزوير.
ولتحقيق هذا التحول الجذري، أطلق الخطاب “تسونامي” التغيير على مستوى العقليات:
- “تغيير ملموس في العقليات”: القضاء على الارتكان والنمطية الإدارية التي عفا عليها الزمن.
- “ترسيخ حقيقي لثقافة النتائج”: وداعاً لـ”أوراق العمل”؛ أهلاً بـ”المنتج الملموس” على الأرض.
- “معطيات ميدانية دقيقة واستثمار أمثل للتكنولوجيا الرقمية”: الخطاب يُفجر وهم العمل المكتبي غير الواقعي، ويجعل من الرقمنة أداة إجبارية للمحاسبة والفعالية، وليس مجرد مظهر حضاري.
إن “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية” يجب أن يعمل بمنطق “رابح – رابح” بين الحواضر والأرياف. هذا يعني إلغاء نهائي لـ”نموذج الاستغلال المركزي” الذي يصب الثروة في المدن على حساب الأطراف. يجب أن تصبح المدن الكبرى “مُولداً” للتنمية في الأرياف المحيطة بها، وليس مجرد “مُستهلك” لطاقاتها البشرية ومواردها. هذا هو جوهر الإصلاح الهيكلي المنتظر.
القسم الثالث: صك الإدانة للإهدار العمومي.. “لا نقبل أي تهاون”
في فقرة هي الأكثر حسماً وإلزاماً، وجه الخطاب الملكي ضربة قاصمة لكل أشكال التباطؤ والروتين والفساد الصغير الذي يُعيق المشاريع:
“ندعو الجميع، كلٌّ من موقعه، إلى محاربة كل الممارسات التي تُضيّع الوقت والجهد والإمكانات، لأننا لا نقبل أي تهاون في نجاعة ومردودية الاستثمار العمومي.”
هذه العبارة ليست تحذيرًا عابرًا؛ إنها “صك إدانة” مُسبق لكل تهاون يُهدر المال العام. لقد رفع الخطاب سقف التقييم من مجرد “حسن النية” إلى “النجاعة والمردودية”. الاستثمار العمومي، الذي هو دم الاقتصاد الوطني، يجب أن يُدار بمنطق اقتصادي صارم، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
وهذا الإلزام يتماشى مع التركيز على أولويات التنمية الترابية الجديدة التي تُلبي الحاجات الملحة: الشغل للشباب (القضية الأزلية)، الصحة والتعليم (أسس كرامة الإنسان)، والمبادرات الاقتصادية المحلية (إحياء الأمل في الأطراف).
الخطاب الملكي هنا يُفعل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” بشكل عملي جداً: لن تُحاسب على الخطأ التقني، بل ستُحاسب على “إضاعة الوقت والجهد والإمكانات”، وهي جريمة اقتصادية-أخلاقية في حق التنمية. هذا التوجه يضع كل مسؤول عمومي، من أصغر موظف إلى أكبر وزير، تحت مجهر التقييم على أساس النتائج الفعلية.
القسم الرابع: خارطة طريق الجغرافيا المُهمَلة.. جبال، سواحل،واحات، ومراكز قروية
التحليل لا يتوقف عند العموميات؛ بل ينغمس في الجغرافيا الوطنية، مُسلطاً الضوء على “الفضاءات المنسية” التي تحتاج لسياسات “مُصممة خصيصاً”:
1. الجبال والواحات: 30% من الأرض تنتظر الإنصاف: لقد أُعلنت مناطق الجبال والواحات، التي تُغطي ثلث التراب الوطني، “منطقة اهتمام خاصة”. الخطاب يُطالب بـ**”سياسة عمومية مندمجة”** تراعي خصوصياتها وتُثمن مؤهلاتها. هذه ليست سياسة إغاثة، بل هي سياسة إدماج وتنمية مستدامة تُحول الجبل من عبء إلى مُحرك اقتصادي عبر السياحة البيئية، تثمين المنتجات المجالية، وإعادة تأهيل البنية التحتية. لا تنمية منسجمة دون “تكامل وتضامن فعلي” بين السهول والجبال.
2. السواحل: اقتصاد أزرق تحت المجهر الأخضر: في سابقة لافتة، أعطى الخطاب أهمية قصوى لـ”التنمية المستدامة للسواحل”. هذا يعني أن “الاقتصاد الأزرق” (Blue Economy) أصبح أولوية، ولكن بشرط صارم: “التوازن الضروري بين التنمية المتسارعة ومتطلبات حمايتها”. الخطاب يرفض التنمية الساحلية العشوائية التي تُدمر البيئة، ويُطالب بتفعيل القانون والمخطط الوطني للساحل، مُوجهاً إشارة قوية للمنعشين العقاريين وأصحاب المشاريع بضرورة الالتزام بمعايير الاستدامة الصارمة.
3. المراكز القروية: قاطرة تقريب الخدمات: الخطاب يطرح حلاً ذكياً لأزمة التوسع الحضري: توسيع نطاق المراكز القروية. هذه المراكز يجب أن تتحول إلى “حلقات فعالة” لتقريب الخدمات الإدارية والاجتماعية من المواطنين في الأرياف. هي رؤية استباقية لـ**”التحضر القروي المُسيطر عليه”**، الذي يخفف الضغط عن المدن الكبرى، ويُعيد توزيع الخدمات، ويُرسخ العدالة المجالية في قلب الريف المغربي.
القسم الخامس: الخاتمة المُلزمة.. نداء الواجب ونكران الذات
في ختام هذا الخطاب التاريخي، لم يترك جلالته أي مجال للتراخي. إنها “تعبئة كل الطاقات والإمكانات”، وتغليب “المصالح العليا للوطن والمواطنين”.
الختام ليس مجرد دعاء، بل قسم شرف يُطالب به كل مسؤول: كونوا في مستوى “الثقة الموضوعة فيكم” و “الأمانة الملقاة على عاتقكم”. والأمانة هنا تُترجم إلى نزاهة، والتزام، والأهم: نكران الذات.
الآية الكريمة التي ختم بها الخطاب: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره)، لم تُوضع اعتباطاً. إنها المعيار الإلهي والأخلاقي للمحاسبة الذي يجب أن يحكم كل عمل عمومي، مُعلنة أن العصر الجديد هو عصر لا يُهمل فيه “مثقال ذرة” من جهد أو تهاون.
كلمة أخيرة للجريدة:
الخطاب الملكي هو الوثيقة الاستراتيجية التي ستحكم عمل الحكومة والبرلمان والمؤسسات للسنوات القادمة. لقد وضع جلالته حداً فاصلاً بين الماضي القائم على الوعود والمستقبل القائم على “النتائج المُقاسة”. على الحكومة والبرلمان الآن أن يستوعبا هذا الزلزال السياسي، ويترجما التوجيهات إلى “أثر أقوى ووتيرة أسرع”. هذا هو التحدي.. وهذا هو السبق المهني.






