مقال تحليلي: المغرب وروسيا.. من الشراكة البروتوكولية إلى التحالف الاستراتيجي في قلب نظام دولي جديد

صعود الأرقام يحدد المسار: الرباط وموسكو تُعيدان هندسة التوازنات
في مشهد دولي يتسم بتسارع وتيرة إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات، برزت موسكو والرباط مؤخراً كقوتين فاعلتين تسعيان لتكريس توازنات استراتيجية جديدة تتجاوز الأطر التقليدية. لقد تحولت العلاقة الثنائية بين البلدين من الطابع البروتوكولي إلى مستوى تحالف اقتصادي ودبلوماسي فعلي، تجلت قوته في المؤشرات المذهلة للتبادل التجاري. فخلال أشغال الدورة الثامنة للجنة الحكومية المشتركة، كشف نائب رئيس الوزراء الروسي، دميتري باتروشيف، عن قفزة نوعية؛ إذ ارتفع حجم التبادل التجاري بين المغرب وروسيا بنحو 30% خلال النصف الأول من عام 2025 مقارنة بالعام الماضي، ليؤكد أن المغرب ليس مجرد شريك، بل هو أهم الشركاء التجاريين لموسكو في القارة الإفريقية.
التقاء المصالح البراغماتية: بحث موسكو عن بوابة أطلسية وتنوع شراكات الرباط
هذا المنحى التصاعدي للعلاقات يأتي في سياق جيوسياسي دقيق، حيث تتلاقى فيه المصالح الحيوية لكلا البلدين:
- الضرورة الروسية: تبحث موسكو عن منافذ اقتصادية وسياسية موثوقة في إفريقيا لتخفيف حدة الآثار السلبية للعقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب الأزمة الأوكرانية. وفي هذا البحث، يقدم المغرب نفسه كـ “منصة اقتصادية ولوجستية واعدة” وبوابة أطلسية رئيسية نحو الجنوب، بفضل استقراره المؤسساتي وموقعه الاستراتيجي.
- الحاجة المغربية: في المقابل، تواصل الدبلوماسية المغربية، التي يقودها وزير الخارجية ناصر بوريطة بنشاط مكثف، استراتيجيتها القائمة على “تنويع الشركاء وتحرير القرار” من الارتباط الأحادي بالدائرة الأوروبية التقليدية. الشراكة مع روسيا تمنح الرباط هامش مناورة أكبر على الساحة الدولية، خاصة في ظل التوترات المكتومة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي حول ملفي الفلاحة والصيد البحري.
الدبلوماسية تحت المجهر: تأمين حياد الكرملين في ملف الوحدة الترابية
اكتسبت زيارة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى موسكو أهمية مضاعفة، ليس فقط لأجل التعاون الاقتصادي، بل لتأمين موقع المغرب الاستراتيجي في ملفه الأول. توقيت الزيارة، الذي جاء بعد حملة دبلوماسية مكثفة قادها المغرب لتثبيت سيادته على الأقاليم الجنوبية وضمان دعم القوى الكبرى، لم يكن عادياً:
- تثبيت الموقف الروسي: مع استعداد موسكو لتولي رئاسة مجلس الأمن الدولي، كان “تأمين موقف روسي متوازن أو حياد إيجابي” تجاه مبادرة الحكم الذاتي عاملاً حاسماً. هذا الحياد يمثل خطوة أساسية في إعادة هندسة مواقف القوى الكبرى من النزاع الإقليمي، خاصة بعد ضمان المغرب لدعم الولايات المتحدة وبريطانيا.
- رفض الإملاءات: يبرز التقارب بعداً رمزياً يتمثل في تشارك البلدين في الدفاع عن مفهوم السيادة الوطنية ورفض الإملاءات الخارجية، وهو ما يفسر الانسجام المتزايد في مواقفهما داخل المنتديات الدولية.
ترسيخ الشراكة الاستراتيجية: اتفاقيات تتجاوز المجاملات الدبلوماسية
لم يقتصر اللقاء على تصريحات المجاملة؛ بل أكدت موسكو التزامها بتعزيز الحوار الثنائي في إطار إعلان الشراكة الاستراتيجية المعمقة (2016). وقد تُرجم ذلك بتوقيع ثلاث اتفاقيات جديدة تتعلق بقطاعات حيوية: الصيد البحري، التجارة، والطاقة، بالإضافة إلى تجديد اتفاقية تشغيل السفن الروسية في المياه الأطلسية المغربية.
تشمل مجالات التعاون التي أعلنت عنها موسكو، قطاعات رئيسية هي الصناعة، الفلاحة، الطاقة، والنقل، وهي قطاعات تمثل عصب الاقتصاد المغربي وتجد في الشراكة مع روسيا فرصة لتنويع مصادر التموين بعيداً عن الهيمنة الأوروبية.
نظرة مستقبلية: تحديات التوازن الدقيق ورهان الاستمرارية
على الرغم من قوة المؤشرات، تظل هذه الشراكة الحديثة تواجه تحديات استراتيجية ولوجستية:
- تحدي التوازن: يظل المغرب مطالباً بالحفاظ على “توازنه الدقيق” بين شراكاته الأوروبية التقليدية (التي تظل الشريك التجاري الأول للمملكة) وتحالفاته الجديدة، لتفادي أي اصطدام دبلوماسي أو اقتصادي غير مرغوب فيه.
- العقبات اللوجستية: العقوبات المالية المفروضة على روسيا وغياب خطوط لوجستية مباشرة وفعالة قد تؤثر على وتيرة تنفيذ الاتفاقيات الطموحة لتنمية التجارة الإفريقية-الروسية بحلول 2030.
لكن، بالرغم من هذه التحديات، فإن ارتفاع التبادل التجاري بنسبة 30% وتوقيع الاتفاقيات المتعددة يثبت أن العلاقات المغربية الروسية قد دخلت مرحلة جديدة عنوانها “الواقعية السياسية والمصالح المتبادلة”. العلاقة تسير نحو تكريس نموذج تعاون يجمع بين المصالح الاقتصادية والاحترام السياسي المتبادل، وهو ما يضع الرباط في موقع تفاوضي أقوى في الساحة الدولية ويؤسس لـ توازن استراتيجي جديد في قلب عالم متعدد الأقطاب.






