سياسة

مقال تحليلي :السنبلة: من جذور قروية عميقة الى عودة الروح وقيادة أوزين لمعارضة لا تهادن!

مقال تحليلي: عبدالله مشواحي الريفي

لطالما كانت “السنبلة”، شعار حزب الحركة الشعبية، رمزًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمق المغربي، بعبق ترابه وروح الأصالة، لتشكل امتدادًا طبيعيًا لتطلعات جزء كبير من المغاربة، خاصةً في مناطقهم القروية. هذا الارتباط التاريخي للحزب بالعالم القروي لم يكن وليد الصدفة، فمسيرة “السنبلة” انطلقت من قلب العاصمة الرباط مع استقلال المملكة، و بادر قادتها إلى تأسيس حزب “السنبلة”، ربما بهدف تأطير وتنظيم أتباعه في الوسط القروي بأقاليم معينة، مفضلاً التركيز على هذا النطاق لمعرفته بخبايا العاصمة والقوى السياسية المسيطرة على نخبها، ما كان يجعل اختراقها أو الوقوف أمامها في أي استحقاق انتخابي أمراً شبه مستحيل.

“السنبلة”: تاريخ من الصمود و الثقة

لم تكن “السنبلة” مجرد حزب عابر في التاريخ السياسي المغربي؛ فقد انتزعت رئاسة مجلس النواب في أولى الانتخابات البرلمانية في المغرب مطلع الستينيات، ما يبرر امتدادها ونفوذها آنذاك في العالم القروي الذي كان يشكل حوالي 80% من تراب المملكة.

تُعدّ الحركة الشعبية من الأحزاب التي حظيت دائمًا بثقة الدولة، وذلك لدورها المحوري والموازن في المشهد السياسي المغربي عبر مختلف المراحل. لطالما أثبتت “السنبلة” أنها حزب مسالم يلتزم بالثوابت الوطنية، ويضطلع بمسؤولية الدفاع عن المؤسسات الراسخة والوحدة الترابية للمملكة. هذه المواقف الثابتة جعلت منه فاعلاً أساسيًا في تحقيق التوازنات السياسية الضرورية، ليُشكل بذلك جسرًا بين مختلف الأطياف السياسية ومحركًا للاستقرار، بعيدًا عن أي صراعات هامشية أو مواقف متطرفة.

أوزين: مهندس العودة وراعي المعارضة غير المترددة

بعد هذه التقلبات التاريخية التي حيرت المراقبين حول من يتحمل هذه “الانتكاسة” السياسية، خاصة مع ابتعاد قادة ساهموا في “الطلوع” عن حقول “السنبلة” وانتشارهم في أحزاب أخرى، ها هي “السنبلة” اليوم تستعيد بريقها وتنفض عنها غبار التجمد، لتبدأ مسيرة انتعاش لافتة تحت قيادة أمينها العام الشاب، محمد أوزين.

منذ تسلمه دفة القيادة، أظهر أوزين دينامية غير مسبوقة، عاكفاً على إعادة ترتيب البيت الداخلي واستقطاب وجوه سياسية وازنة. لم تكن مهمته سهلة، فإعادة “السنبلة” إلى الواجهة السياسية، خاصة بعد سنوات من التراجع، تطلب جهداً مضاعفاً ورؤية استراتيجية واضحة. لكن أوزين، بدبلوماسيته وحنكته، نجح في فتح أبواب الحزب أمام قيادات برلمانية وجماعية سابقة، وكذلك أمام طاقات جديدة، اختارت أن تترشح تحت لواء “السنبلة” في الاستحقاقات القادمة، ما يبشر بمرحلة جديدة من التوهج للحزب.

المواجهة الكبرى: لجنة تحقيق أرعبت الأغلبية وأبرزت قوة “السنبلة”

لم يكتفِ أوزين بإعادة “السنبلة” إلى الخريطة السياسية كفاعل قوي فقط، بل قاد الحزب ليصبح صوتًا معارضًا قويًا وشرسًا داخل البرلمان وخارجه. تميزت قيادته بالجرأة في التعاطي مع كل الملفات الحارقة التي تهم المواطنين، من غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، إلى قضايا الفساد وسوء التدبير. لم يتردد أوزين في الاصطفاف إلى جانب مطالب الشعب، مستخدمًا كل الأدوات الرقابية المتاحة لمساءلة الحكومة.

ولعل أبرز دليل على قوة المعارضة التي يقودها أوزين، هي محاولته تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في ملف حساس، كاد أن يورط الحكومة ويسبب لها حرجًا كبيرًا. هذه المبادرة الجريئة أثارت حفيظة الأغلبية الحكومية، التي سارعت إلى التكتل وراء بعضها البعض لإحباط مسعى أوزين. ورغم أن هذا المسعى لم يلقَ الدعم الكافي من باقي أطراف المعارضة، التي بدا عليها التشتت أو ضعف التنسيق، إلا أنه كشف عن مدى تأثير “السنبلة” تحت قيادة أوزين، وقدرتها على هز أركان الحكومة ودفعها إلى موقف دفاعي. هذه الواقعة أكدت أن “السنبلة” لم تعد حزبًا هامشيًا، بل أصبحت قوة معارضة لا يستهان بها، قادرة على إثارة النقاش العام ومساءلة صناع القرار.

“السنبلة”: ملاذ العائدين إلى الجذور السياسية

من اللافت للانتباه أن “السنبلة” أصبحت قبلة لعديد الأسماء السياسية البارزة في مختلف ربوع المملكة، من جنوبها وصحرائها، إلى شمالها وشرقها، وباقي أقاليم المغرب. هذا التحول يعكس رغبة في العودة إلى الجذور السياسية، خاصة في العالم القروي الذي يمثل الخزان الانتخابي الطبيعي للحركة الشعبية. فبعد تجارب مع أحزاب أخرى، وخاصة “النهضة” التي كانت تنافس “السنبلة” في هذه المناطق، باتت العديد من الفعاليات تدرك أن “الحركيين” يمثلون امتدادهم الطبيعي وهويتهم السياسية الأصيلة.

إن عودة هذه الوجوه والتحاقها بـ”السنبلة” ليس مجرد انضمام شكلي، بل هو تعبير عن قناعة راسخة بأن الحزب، بقيادة أوزين، قادر على تمثيل تطلعاتهم والدفاع عن مصالحهم. هذا الزخم الجديد يمنح “السنبلة” دفعة قوية لمواجهة الاستحقاقات القادمة، ويؤكد على أن الحزب يستعيد مكانته كقوة سياسية لا يمكن تجاهلها في المشهد السياسي المغربي.

لقد أثبت محمد أوزين، من خلال قيادته، أن “السنبلة” لا تزال تحمل في جيناتها القدرة على النمو والازدهار، وأنها قادرة على الصمود في وجه التحديات، بل وقيادة معارضة بناءة وشجاعة تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار. فهل ستستمر هذه الوتيرة التصاعدية لـ”السنبلة” وتتحول إلى قوة سياسية فاعلة تستطيع تغيير المعادلات في المستقبل القريب؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى