سياسة

“مجموعة صحية ترابية”.. مشروع إصلاحي أم استعراض حكومي بلا قدرة على التنزيل؟

في مشهد يعكس ازدواجية الخطاب بين الواقع والتصريحات الرسمية، ترأس رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أمس الإثنين 28 يوليوز 2025، بالمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بطنجة، أول مجلس إدارة للمجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، في ما سُمي انطلاقة نموذجية لمشروع إصلاح المنظومة الصحية، تماشياً مع التوجيهات الملكية الكبرى حول تعميم الحماية الاجتماعية.

لكن خلف لغة البلاغات الرسمية والاحتفاء السياسي، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الحكومة فعلياً على تنزيل هذا الورش الصحي الضخم، في ظل محدودية الموارد البشرية، وتآكل البنيات التحتية، وضعف الحكامة الجهوية والمحلية.

فالاجتماع، الذي صُوّر على أنه بداية تحوّل جذري، ناقش هياكل تنظيمية وبرامج مالية، في وقت تعاني فيه مستشفيات المملكة من أعطاب مزمنة تتعلق بنقص الأطباء، غياب الأطر التمريضية، ومرافق صحية متهالكة غير قادرة حتى على تأمين الحد الأدنى من الخدمة.

وبينما جدد أخنوش التأكيد على أن المجموعات الصحية الترابية ستعيد تنظيم العرض الصحي وتُقرب الخدمات من المواطنين، فإن الرأي العام لا يزال يحتفظ بذاكرة مثقلة بوعود مشابهة منذ سنوات، لم تفضِ إلا إلى مزيد من الأعطاب والانتظارات، وسط غياب أثر ملموس على أرض الواقع.

ومن غير الخفي أن مشروع “المجموعة الصحية الترابية”، كما تم تسويقه إعلامياً، يطرح تحديات مالية وتقنية ضخمة، تتطلب تأهيلاً معمقاً للبنيات وتجهيزات نوعية، وهو ما لا يتطابق مع الميزانيات المعلنة، ولا مع واقع الخصاص المهول الذي تشهده جل الجهات، خصوصاً تلك النائية التي تعاني من إقصاء صحي هيكلي.

وتُطرح هنا أسئلة مشروعة: هل تمتلك حكومة أخنوش فعلاً القدرة على ضمان تنزيل هذا النموذج عبر الجهات الأخرى؟ وهل تتوفر على ما يكفي من الموارد، ومن الإرادة السياسية، لتجاوز منطق “المجالس واللجان” نحو مخرجات فعلية تغير وجه المرفق الصحي العمومي؟

وإذا كانت طنجة-تطوان-الحسيمة ستُشكّل، كما قيل، “نموذجاً مرجعياً” لباقي الجهات، فما مصير باقي المناطق التي لم تُدرج ضمن المرحلة الأولى؟ وهل ستبقى تحت رحمة التفاوتات الجهوية ذاتها التي تعهدت الحكومة بمحاربتها؟

ثم كيف يمكن الحديث عن نظام صحي “منصف ومندمج” في وقت ما تزال فيه أقاليم بكاملها محرومة من الحد الأدنى من الخدمات الصحية، ويُضطر فيها المواطن لقطع مئات الكيلومترات للظفر بفحص أو عملية مستعجلة، وسط عجز الحكومة عن تحفيز الأطر الطبية للعمل في المناطق الهشة؟

الحكومة مطالبة، اليوم، بإقناع المواطنين بالفعل لا بالبلاغات، وبإطلاق مشاريع قابلة للقياس، لا الاكتفاء بتجريب “نماذج جهوية” قد تظل حبيسة الورق، كما حدث مع مبادرات سابقة.

ورغم الأمل الذي يعلقه المغاربة على ورش الحماية الاجتماعية، فإن تجربتهم مع الإصلاحات الموعودة تدفعهم إلى الحذر من تسويق نماذج دون أسس متينة، أو إطلاق إصلاحات كبرى في غياب شروط النجاح والعدالة المجالية.

فهل تكون مجموعة طنجة الصحية بداية عهد صحي جديد، أم مجرد عنوان آخر لسياسات لا تخرج من قاعات الاجتماعات؟ الجواب مرهون بالإرادة والتنزيل، لا بالنوايا والتصريحات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى