مجلس المنافسة يُلين مواقفه من ملفات حارقة: هل انتهى زمن ‘الكارتيل’ أم بدأ عصر ‘الصفح’؟

في تحول دراماتيكي يثير ألف علامة استفهام، يبدو أن مجلس المنافسة قد لوّح بالراية البيضاء في معركته الشرسة ضد شركات توزيع الوقود، وعلى رأسها عملاق “أفريقيا” المملوك لرئيس الحكومة عزيز أخنوش. فبعد أن كان المجلس، إلى وقت قريب، سيفًا مسلطًا على رقاب هذه الشركات بتهم الاحتكار والتلاعب بالأسعار، خرج بتقرير مفاجئ يشيد بـ “التزامها العام” بتعهداتها. هل هي نهاية فصل مؤلم من فصول استنزاف جيوب المغاربة، أم مجرد هدنة تكتيكية في حرب ضروس؟
التقرير الذي يغطي الربع الأخير من سنة 2024، يأتي في أعقاب “اتفاقات صلح” غامضة أبرمت بين الطرفين، في ظل غليان شعبي وسياسي متواصل حول دور الدولة في حماية المستهلك من شراسة السوق. فبدل لغة الإدانة الصريحة، نجد المجلس يشيد بـ “امتثال الشركات للإجراءات المتفق عليها”، خاصة فيما يتعلق بتمرير انخفاضات الأسعار العالمية وتعزيز الشفافية. يراه البعض “صفحًا مؤسساتيًا” مريبًا عن ممارسات لطالما وُصفت بالنهب المنظم.
بل إن التقرير، بلغة تقنية باردة تخلو من أي حس أخلاقي أو رقابي، يقدم أرقامًا ومتوسطات لأسعار الشراء والبيع، وكأنه يبرر ضمنيًا هوامش الربح التي لا تزال تقتطع من جيوب المواطنين المثقلة بالأعباء. صحيح أن الأسعار سجلت انخفاضًا طفيفًا،لانها إنخفضت في العالم بشكل قوي ، لكن المجلس يعترف بأنه “استيعاب جزئي لتقلبات الأسعار العالمية”، متجاهلاً حقيقة أن الشركات لا تزال تحقق أرباحًا فاحشة في سوق حر بلا قيود، بينما القدرة الشرائية للمواطنين في تدهور مستمر.
الأكثر إثارة للريبة هو هذا التحول المفاجئ في خطاب مجلس المنافسة، والذي لا يمكن فصله عن السياق السياسي المتوتر. فشركة “أفريقيا”، قلب الإدانة السابقة، لا تزال تحت مظلة رئيس الحكومة. فهل تغيرت الممارسات الاحتكارية فعلاً، أم أن التغيير طال فقط زاوية نظر “الحارس”؟ التساؤلات مشروعة، بل ومستعجلة.
وفي مفارقة صارخة، يكشف التقرير عن ارتفاع مبيعات هذه الشركات بنسبة 7.1%، لتستحوذ على 82% من السوق. هذا يعني أن “الكارتيل النفطي” لم يضعف، بل ازداد نفوذًا في غياب منافسة حقيقية أو تدخل تنظيمي يفرض قواعد اللعبة العادلة.
قد يُحسب التراجع الطفيف في الأسعار لصالح الشركات، لكنه يبقى بعيدًا كل البعد عن تحقيق “العدالة السعرية” التي يطالب بها الشارع. فمجلس المنافسة، المؤسسة الدستورية المكلفة بحماية التوازن الاقتصادي، يبدو وكأنه تحول إلى بوق دعائي يسوّق لـ “امتثال” المتهمين، وأحدهم هو رأس السلطة التنفيذية. هل ابتلع “الحارس” لسانه؟ وهل انتهت حقًا معركة المغاربة ضد جشع شركات المحروقات؟ الأيام القادمة ستكشف المستور. بل يطرح البعض تساؤلات أكثر إلحاحًا: هل يمهد هذا “الصفح المؤسساتي” لسيناريو انتخابي محتمل؟ فمع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية لعام 2026، هل سيلجأ رئيس الحكومة، المسيطر على سوق المحروقات، إلى خفض الأسعار بشكل مصطنع، في محاولة يائسة لمحو ذاكرة الغلاء الفاحش واستمالة أصوات الناخبين؟ هل سيُغري المغاربة بانخفاض مؤقت، لكي ينسوا سنوات من الاستنزاف والتلاعب، ويصوتوا لحزبه؟






