مؤسسات الحكامة تُحرج الحكومة: تقارير موضوعية تُثير الجدل وتكشف أعطاب السياسات العمومية

رغم مكانتها الدستورية وأدوارها الاستراتيجية في تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، تعيش مؤسسات الحكامة في المغرب حالة من التوتر غير المعلن مع الحكومة، بسبب ما تفرزه تقاريرها من معطيات تُعرّي أعطاب السياسات العمومية، وتضع المسؤولين التنفيذيين في مواجهة مباشرة مع واقع لا يرتاحون لكشفه.
هذه المؤسسات، التي أنشئت في إطار تثبيت مبادئ الحكامة الجيدة، لم تَحِدْ عن أدوارها الرقابية والاستشارية، وظلت تنتج تقارير غنية تستند إلى دراسات وأبحاث علمية أو معطيات دولية، تهم قطاعات حيوية مثل التعليم، الصحة، الشغل، والعدالة الاجتماعية. غير أن هذه الجهود كثيراً ما تُقابل بالرفض أو التشكيك، وتُتهم بأنها تمارس معارضة مبطنة للحكومة، رغم حياديتها واستقلاليتها المؤسسية.
وتكشف المعطيات المتداولة أن الصدام بين المؤسسات والحكومة لم يعد خافياً، بل بلغ حد التشكيك العلني في الأرقام والتوصيات، ما يطرح تساؤلات حول مدى استعداد السلطة التنفيذية لاحترام استقلالية هذه الهيئات، خصوصاً وأنها تُعين بقرارات ملكية، ولا تخضع لأي وصاية حكومية.
ويرى متابعون أن هناك اليوم نمطين من المؤسسات: صنف يساير السياسات الحكومية بتقارير ناعمة، وصنف ثانٍ يحافظ على موضوعيته، ويمارس رقابة فعالة تُحرج الحكومة من خلال تقارير تكشف عن مكامن الفشل أو سوء التدبير.
وفي ظل هذا الوضع، تتباين التحليلات حول خلفيات هذا التوتر. فبين من يربط الأمر بصراع أجيال وتوجهات داخل الدولة، ومن يقرأه كمؤشر على نضج التجربة الديمقراطية المغربية، تظل النتيجة واحدة: المؤسسات الدستورية أصبحت لاعبا وازناً في المشهد السياسي، ليس فقط عبر الأرقام، بل من خلال مساهمتها في توجيه السياسات وصياغة تصورات بديلة.
ويؤكد عدد من الخبراء أن تعيين مسؤولين جدد على رأس هذه المؤسسات أعاد بعض التوازن للعلاقة مع الحكومة، خاصة حين تبنّى البعض مقاربات أكثر براغماتية، تركّز على الاستباق والتنظيم بدل الصدام والعقاب، وهو ما بدأ ينعكس تدريجياً على دينامية الاشتغال داخل هذه الهيئات.
ويُجمع المراقبون على أن نجاح مؤسسات الحكامة لا يُقاس فقط بقوة النصوص الدستورية، بل بمدى قدرة السلطة التنفيذية على احترام أدوارها، وتقبل النقد والتقارير باعتبارها أدوات لتقويم الأداء، لا خصومة سياسية، خصوصاً أن تقاريرها تُحال على البرلمان وتُناقش علنياً، وتُعتبر مرجعاً رسمياً لتقييم البرامج الحكومية.
إن ترسيخ الحكامة الجيدة، كمنظور شامل يشمل النجاعة والشفافية والمحاسبة، يمر بالضرورة عبر تفعيل فعلي لدور هذه المؤسسات، لا الالتفاف عليه. فهذه الهيئات ليست ترفاً مؤسسياً، بل شرطاً ديمقراطياً لاستمرار التوازن بين السلط، وضمان العدالة في تدبير الشأن العام.






