سياسة

لفتيت يرسم ملامح مرحلة انتخابية جديدة: دعوة صارمة إلى تطهير المشهد السياسي وتحصين المسار الديمقراطي و يطالب بإبعاد المتابعين في ملفات قضائية

في جلسة اتسمت بنبرة واضحة وحاسمة، قدّم وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أمام لجنة الداخلية بمجلس النواب رؤية شاملة لإصلاح المنظومة الانتخابية، مؤكداً أن المغرب مقبل على مرحلة دقيقة تتطلب إعادة ترتيب البيت السياسي من الداخل، وربط المسؤولية بالاستقامة، ووضع حدّ لأي ممارسات قد تشوش على نزاهة الاستحقاقات المقبلة.

لفتيت، الذي حضر لمناقشة مشاريع القوانين الانتخابية الجديدة، وضع منذ البداية قاعدة مركزية: الانتخابات ليست مجرد عمليات اقتراع، بل هي رهان أخلاقي وسياسي يتطلب حماية الفضاء العام من الشبهات. ولذلك دعا كل منتخب أو برلماني يخضع لمتابعات قضائية إلى اتخاذ موقف شجاع يتمثل في تقديم استقالته والامتناع عن الترشح للانتخابات المقبلة، معتبراً أن الحفاظ على مصداقية المؤسسات الدستورية يمر عبر مبادرات طوعية قبل أن يكون مسألة قانونية.

إطار تشريعي جديد… وبوصلة واحدة: تخليق العمل السياسي

وخلال عرضه أمام اللجنة، شدّد لفتيت على أن مشاريع القوانين المعروضة ليست تحديثاً تقنياً فحسب، بل جزء من رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز نزاهة العملية الانتخابية وضمان منافسة شريفة.
المسار، وفق الوزير، يقوم على “تطعيم الديمقراطية المغربية بضمانات قوية”، بحيث يُمنح كل مرشح نفس الحظوظ، وتُحاصر الممارسات المشبوهة، ويُعاد بناء ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة.

وفي هذا السياق قال إن العمل السياسي ليس مجرد نشاط انتخابي، بل “مسؤولية أخلاقية”، وأن حماية المنتخبين من الاتهامات غير المبنية على أسس واقعية لا تعني التسامح مع من تحيط بهم شبهات معروضة على القضاء.

حياد الدولة… ورفض مطلق لأي تأويل سياسي

لفتيت أكد بلهجة قطعية أن الدولة تقف على نفس المسافة من جميع الأحزاب، وأن مؤسساتها لا تشتغل لصالح أي طرف سياسي ولا تسعى إلى إضعاف طرف آخر. الهدف الواحد – حسب تعبيره – هو مصلحة المغرب، وأن الرابح الحقيقي في أي إصلاح انتخابي ينبغي أن يكون “الوطن قبل أي شيء آخر”.

من خطاب العرش إلى مشاورات الأحزاب… مسار إعداد القوانين

الوزير استحضر المسار الذي أفرز هذه الترسانة التشريعية الجديدة، مشيراً إلى أنه انطلق من التوجيهات الملكية في خطاب العرش يوم 29 يوليوز الماضي، حيث دعا الملك محمد السادس إلى إعداد المنظومة الانتخابية قبل نهاية السنة.
وبعد ذلك، انخرطت وزارة الداخلية في مشاورات واسعة مع الأحزاب السياسية، انتهت إلى صياغة الحزمة القانونية المعروضة اليوم على البرلمان.

ولفت لفتيت إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 حول الصحراء المغربية وما حمله من تحولات سياسية ودبلوماسية، جعل هذه القوانين تتجاوز البعد الداخلي لتأخذ مكانها داخل رؤية سياسية جديدة للمغرب على الصعيد الدولي، وهو ما يجعل النقاش حولها “لحظة فارقة في المسار الديمقراطي الوطني”.

المسطرة القضائية والطعن… بين العقيدة الإصلاحية والواقع الانتخابي

وفي معرض حديثه عن الطعون الانتخابية، قال الوزير إن الهدف من المنظومة الجديدة هو جعل الطعن مسألة استثنائية لا قاعدة. ليس لأن القانون يمنع ذلك، بل لأن النزاهة المفترضة في المسار الانتخابي يلزم أن تقلل من الحاجة إلى اللجوء للقضاء.
وأشار إلى أن الوزارة منفتحة على المقترحات البرلمانية التي من شأنها تعزيز الشفافية وتحسين القوانين.

وسائل التواصل… وذكاء اصطناعي يهدد الانتخابات

توقف لفتيت مطولاً عند التحديات الحديثة التي تواجه العملية الانتخابية، وعلى رأسها التلاعب بالمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتطور الكبير للذكاء الاصطناعي القادر على إنتاج محتوى مزيف يحمل طابعاً إقناعياً عالياً، مما قد يؤثر على اختيار الناخبين ويشوّه النقاش العمومي.

واعتبر أن هذا الواقع يفرض تجريم استعمال هذه الوسائط في ارتكاب جرائم انتخابية، وتشديد العقوبات لمنع أي محاولة لبث معلومات مضللة أو توجيه الرأي العام بطرق غير مشروعة، مؤكداً أن ذلك لا يستهدف حرية الرأي والتعبير، بل يحمي الديمقراطية من التلاعب.

تشجيع حضور الشباب والنساء… ودعم مالي بشروط صارمة

وفي ما يتعلق بالتحفيزات المالية المخصصة لترشيحات الشباب لولوج مجلس النواب، أوضح الوزير أن هذه الآلية ستكون مؤطرة بشروط دقيقة لضمان توجيه الدعم الحقيقي لمن يستحقه، مؤكداً أن الهدف هو تعزيز تمثيلية الفئات الشابة والنسائية داخل المؤسسة التشريعية، وتشجيع الأحزاب على ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية.

 إصلاح انتخابي بطعم صلابة الدولة ورهان الديمقراطية

أعاد عبد الوافي لفتيت من خلال هذا اللقاء وضع النقاش الانتخابي في سياقه الحقيقي: المعركة ليست حول مقاعد أو خرائط سياسية، بل حول جودة الديمقراطية المغربية وقدرتها على تجديد نفسها دون تشوهات.
الإصلاح الانتخابي، بتعدياته على التشريع والممارسة السياسية، يهدف إلى حماية المؤسسة التشريعية، وعقلنة المنافسة، ومواجهة التحديات الجديدة التي فرضها العالم الرقمي، وفتح الباب أمام جيل جديد من الفاعلين السياسيين.

بهذه المقاربة، وجّه لفتيت رسالة سياسية واضحة:
المستقبل الانتخابي للمغرب يُبنى بالنزاهة قبل الأرقام، وبالمسؤولية قبل الترشيحات، وبثقة المواطنين قبل أي انتصار سياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى