لحظة الحسم الأممي تقترب: المغرب يراجع مقترح الحكم الذاتي على إيقاع تحولات مجلس الأمن

في سياق دولي يتسم بإعادة تشكيل موازين القوة داخل المنظومة الأممية، وتراجع هوامش المناورة التقليدية في ملفات النزاعات المزمنة، يواصل المغرب اشتغاله الهادئ والدقيق على أحد أكثر ملفاته الاستراتيجية تعقيداً: ملف الصحراء. اشتغال يتخذ اليوم طابعاً متقدماً مع دخول المملكة مرحلة تحيين مقترح الحكم الذاتي، في انسجام مباشر مع القرار الأممي رقم 2797، الذي أقره مجلس الأمن باعتباره الإطار المرجعي الوحيد لأي تسوية سياسية واقعية ودائمة.
هذا التحرك لا يأتي كرد فعل ظرفي، بل ثمرة قراءة استراتيجية لتراكم دبلوماسي طويل، ولمؤشرات سياسية تؤكد أن اللحظة الراهنة تُعد من أكثر اللحظات قابلية لإحداث اختراق فعلي في مسار ظل رهين الجمود لعقود. فالمعادلات داخل مجلس الأمن تغيرت، ونبرة القرارات الأممية باتت أكثر وضوحاً، والخيارات التي كانت تُقدَّم كبدائل فقدت عملياً قابليتها للتنزيل.
المعطيات المتداولة تفيد بأن الرباط بلغت مراحل متقدمة في بلورة نسخة مُحيّنة من مبادرة الحكم الذاتي، وذلك بعد الاجتماع السياسي الرفيع الذي انعقد في العاشر من نونبر الماضي، بإشراف مباشر من مستشاري الملك، وبمشاركة قيادات الأحزاب السياسية الوطنية. اجتماع حمل دلالات قوية، ليس فقط من حيث توقيته، بل من حيث رسالته الواضحة: تحصين المقترح بإجماع وطني واسع، وتوسيعه ليصبح مبادرة دولة بمختلف مكوناتها، لا مجرد طرح دبلوماسي تقني.
وتُبنى الصيغة الجديدة للمقترح على إدماج التحولات التي طرأت على البيئة الدولية، وعلى استيعاب المقتضيات السياسية والقانونية التي كرسها القرار 2797، والذي شكل منعطفاً نوعياً في تعاطي الأمم المتحدة مع النزاع. فقد أنهى القرار عملياً مرحلة “اللغة الرمادية”، وأقر بوضوح أن المبادرة المغربية تمثل الأساس الوحيد للمسار السياسي، متجاوزاً أطروحات أثبتت التجربة استحالة تنفيذها، وفي مقدمتها خيار الاستفتاء.
ويواكب هذا المسار اشتغال دبلوماسي مكثف مع شركاء وازنين داخل مجلس الأمن وخارجه، في مقدمتهم قوى مؤثرة ترى أن النزاع بلغ نقطة تشبع، وأن الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق التسوية بات ضرورة إقليمية ودولية. هذا الانخراط يعكس إدراكاً جماعياً بأن استقرار شمال إفريقيا والساحل يمر عبر إغلاق هذا الملف وفق حل سياسي واقعي ومتوافق عليه.
في هذا الإطار، تبرز الولايات المتحدة كفاعل محوري في المرحلة المقبلة. فواشنطن، التي كان لها دور حاسم في بلورة القرار الأممي الأخير، تُبدي توجهاً واضحاً نحو الدفع بالمسار السياسي إلى مراحله العملية، سواء عبر إعادة تقييم أدوار الآليات الأممية القائمة، أو من خلال البحث عن صيغ تفاوضية أكثر فاعلية. وتندرج هذه المقاربة في سياق مراجعة شاملة للانخراط الأمريكي في بعثات حفظ السلام، في ظل ضغوط مالية ورغبة في تحقيق نتائج ملموسة بدل إدامة الوضع القائم.
وتعزز التصريحات الصادرة عن ممثلين أمريكيين رفيعي المستوى هذا التوجه، حيث يجري الحديث عن أفق زمني محدود لإحداث تقدم حقيقي، وربط مستقبل البعثة الأممية بمدى إطلاق مسار تفاوضي جدي قادر على إنتاج حل نهائي. وهي إشارات تفيد بأن واشنطن لا تكتفي بدور الداعم السياسي، بل تميل إلى لعب دور المُيسّر المباشر للتسوية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن تقديم النسخة المحدّثة من مقترح الحكم الذاتي قد يفتح الباب أمام مفاوضات بصيغة جديدة، بمشاركة الأطراف المعنية، وبرعاية مباشرة من فاعلين دوليين وازنين. سيناريو، إن تحقق، سيعيد ترتيب قواعد التفاوض، ويضع الجزائر أمام اختبار سياسي ودبلوماسي مباشر، في ظل إصرار المغرب على اعتبارها طرفاً رئيسياً في النزاع، وليس فاعلاً هامشياً.
الموقف المغربي في هذا الصدد يظل ثابتاً، إذ تؤكد الرباط أن أي مسار سياسي يفتقد إلى انخراط الجزائر يظل مساراً منقوصاً، ولا ينسجم مع منطق الحل ولا مع مسؤولياتها الإقليمية. ومع تغير المناخ الدولي، تبدو الضغوط مرشحة للتصاعد لدفع جميع الأطراف نحو تحمل مسؤولياتها كاملة.
ويكتسي هذا المسار زخماً إضافياً في ضوء التركيبة الجديدة لمجلس الأمن الدولي، التي دخلت حيز التنفيذ مطلع سنة 2026. فبانضمام أعضاء جدد، من بينهم دول تُعبّر صراحة عن دعمها للوحدة الترابية للمغرب، تعزز الرصيد الدبلوماسي للمملكة داخل المجلس، ويتوسع هامش المناورة للدفاع عن المبادرة المغربية وضمان استمرارية الزخم الذي أفرزته القرارات الأممية الأخيرة.
بين وضوح المرجعية الأممية، واتساع دائرة الدعم الدولي، وتقدم التحضير الداخلي، يبدو أن ملف الصحراء يقترب من لحظة مفصلية. لحظة قد تنقل النزاع من إدارة طويلة الأمد إلى تسوية سياسية نهائية، إذا ما التقت الإرادات الدولية مع الجدية التي يعبّر عنها الطرح المغربي، باعتباره حلاً واقعياً، عملياً، وقابلاً للتنفيذ.






