كرونولوجيا:”لجان تقصي الحقائق في المغرب.. حين يُكذّب الواقع الرواية الرسمية!”
في زمن تتشابك فيه التصريحات الرسمية وتتضارب الأرقام حول دعم اللحوم الحمراء، عادت إلى الواجهة تساؤلات عميقة حول حقيقة الأرقام التي تقدمها الحكومة، ومصداقيتها. فهل كانت فعلاً 13 مليار درهم ستخفض سعر اللحوم إلى أقل من 30 درهمًا؟ بينما سارعت الحكومة إلى نفي هذه الأرقام، زاد الطين بلة حين خرجت وزارات متعددة بأرقام متناقضة، لتبدأ المعارضة في الدعوة إلى لجنة تقصي حقائق… لكنها جوبهت بالرفض.
رفضٌ يعيدنا إلى تاريخ طويل من لجان تقصي الحقائق في المغرب، والتي لطالما شكلت كاشفًا للحقيقة، ومرآةً تُظهر ما تحاول الروايات الرسمية طمسه.
البكالوريا 1979.. أول امتحان للشفافية
في عام 1979، تفجرت فضيحة تسريب امتحانات البكالوريا في عهد حكومة المعطي بوعبيد، وسط اتهامات لوزارة التربية التي كان يتولاها عز الدين العراقي. وتحت ضغط البرلمان، أصدر الملك الراحل الحسن الثاني أمرًا بتشكيل لجنة تقصي، ترأّسها العلوي الحافظي.
استغرقت اللجنة أكثر من 60 ساعة من العمل، واستجوبت 62 شاهدًا، وتوصلت إلى انقسام حاد: 17 عضوًا أقروا بوجود تسريب، فيما رأى 4 آخرون أن ما وقع مجرد أعمال غش عادية. غير أن الزخم الإعلامي لقضية الصحراء آنذاك طمس مخرجات اللجنة التي كانت ستُحدث ضجة وطنية.
دجنبر 1990.. لجنة تُحرج الدولة أمام العالم
تقرير من 12 صفحة وحقائق صادمة. هذا ما خرجت به لجنة تقصي الحقائق عقب أحداث الشغب التي شهدتها مدينتا فاس وطنجة. في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة عن سقوط 23 قتيلاً، كشفت اللجنة أن العدد الحقيقي هو 42.
وتنوعت خلاصات اللجنة بين تحميل المسؤولية لقرارات محلية غير موفقة، وضرورة مراجعة تمركز الجامعات، وتقديم تعويضات للمتضررين، ووضع حد للتعتيم الإعلامي الرسمي. التقرير كان بمثابة زلزال سياسي صامت، فجر صراعات خفية داخل الدولة.
1995.. الكيف يجر الدولة للمساءلة
مع تصاعد الضغط الدولي، خاصة بعد نشر صحيفة لوموند تقريرًا يتهم المغرب بإنتاج وتصدير المخدرات، وجدت الدولة نفسها مجبرة على فتح ملف لطالما أُخفي خلف الجبال. لجنة برلمانية فتحت الملف، وخلصت إلى وجود ما لا يقل عن 70 ألف هكتار مخصصة لزراعة الكيف، بإنتاج فاق 1500 طن سنويًا.
اللجنة طالبت بسياسة تنموية بديلة، واتهمت بوضوح المحيط الدولي بتحويل المغرب إلى نقطة عبور للمخدرات القوية، خاصة من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا.
“السبت الأسود” في سيدي إفني.. حين خرج الغضب من الجدران
في 2008، حوصرت مدينة سيدي إفني بالقوات، وتعرض المواطنون لاقتحامات، وضرب، وترويع ممنهج. تشكيل لجنة تقصي برلمانية كان حتميًا، لكنها لم تستطع الوصول إلى كبار المسؤولين الأمنيين.
رغم التضييق، خرجت تقارير حقوقية مستقلة وصفت ما حدث بـ”العقاب الجماعي”، ليبقى السؤال معلقًا: لماذا لم يُحاسب أحد؟
لجان ما بعد 2010.. من الحسيمة إلى العيون
شهد عهد الملك محمد السادس تشكيل لجان عديدة، أبرزها تلك التي أعقبت أحداث إكديم إيزيك، ثم فيضانات كلميم، وأخيرًا مشروع “الحسيمة منارة المتوسط” سنة 2017، الذي انتهى بإعفاء وزراء ومسؤولين كبار. وكان ذلك إيذانًا بأن لجان تقصي الحقائق، وإن ظلت محدودة النتائج أحيانًا، فإنها باتت أداة دستورية قد تقلب الطاولة.
الحقيقة… تنتظر من يطلبها
في ظل الغموض الذي يلف ملف دعم اللحوم الحمراء، واستمرار الحكومة في تجاهل دعوات تشكيل لجنة تقصي، يُطرح سؤال جوهري: لماذا تخشى بعض الجهات من لجان التقصي؟ وهل يمكن أن تتحول هذه اللجان إلى ركيزة للشفافية، بدل أن تبقى مجرد ورقة ضغط ظرفية؟






