سياسة

“كراسي شاغرة ومشاريع كبرى”: غياب الأعضاء يُخيم على دورة جهة فاس-مكناس الاستثنائية ويُسائل نجاعة الأداء الجهوي

على الرغم من الأهمية الاستراتيجية للنقاط المدرجة في جدول أعمال الدورة الاستثنائية لمجلس جهة فاس-مكناس، التي انعقدت أمس الجمعة 28 نونبر 2025 بدعوة من والي الجهة، إلا أن مشهد القاعة شبه الفارغة وتغيب عدد من الأعضاء ألقى بظلاله الثقيلة على أشغال الجلسة الواحدة، مُجدداً طرح التساؤلات حول مدى التزام المنتخبين بمسؤولياتهم تجاه التنمية الجهوية.

قرارات ضخمة في غياب الشركاء:

شهدت الدورة المصادقة على حزمة من المشاريع الهامة التي تعتبر ركائز أساسية لاستعدادات الجهة للاستحقاقات الوطنية والدولية، خاصة كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، ومن أبرزها:

  •  إحداث شركة جهوية للتنمية الرياضية “فاس جهة للرياضة” (ش.م):

    • تمت المصادقة على إحداث الشركة برأسمال 20 مليون درهم، بمساهمة من وزارة الاقتصاد والمالية، ومجلس الجهة، والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وجماعة فاس.

    • تهدف الشركة إلى تدبير واستغلال وصيانة وتطوير الملعب الكبير لفاس وكافة البنيات الرياضية المرتبطة بتنظيم المواعيد الكبرى، وهو ما يمثل خطوة نوعية نحو حكامة جديدة للمرافق الرياضية.

  •  تعزيز الأمن وتوسيع كاميرات المراقبة:

    • المصادقة على تعديل اتفاقية الشراكة لتقوية وتوسيع نظام كاميرات المراقبة بمدينة فاس، مع تعديل يهم نقل مساهمة وزارة الداخلية إلى شركة فاس جهة للتهيئة، بهدف دعم الجهود الأمنية وتأمين الفضاءات العمومية، وتندرج هذه الخطوة في سياق الاستعدادات الأمنية للبطولات الرياضية.

  •  تحسين التموين ورفع الجودة:

    • المصادقة على الملحق التعديلي الخاص بإحداث وتسيير سوق الجملة للسمك بفاس، مع رفع التكلفة الإجمالية للمشروع من 45 إلى 50 مليون درهم، وهو ما يعكس السعي لتحسين جودة التدبير والتموين للمستهلكين.

  •  دعم النقل الجماعي:

    • المصادقة على اتفاقية تمويل الاستثمارات الخاصة بتدبير مرفق النقل الجماعي بالحافلات، وهي نقطة تأتي وسط جدل وتذمر شعبي بسبب تأخر دخول الحافلات الجديدة للخدمة في عاصمة الجهة (فاس)، حسب ما ذكرته تقارير صحفية متزامنة مع الدورة.

انتقادات لاذعة: أداء باهت ومكتب مشلول

على الرغم من أهمية هذه القرارات، إلا أن غياب عدد كبير من الأعضاء عن جلسة حاسمة يضع علامة استفهام كبرى حول جدية أداء مجلس جهة فاس-مكناس ومكتبه.

  • غياب المساءلة والمناقشة: كيف يمكن للمجلس أن يصادق على مشاريع تتطلب مبالغ ضخمة وتعديلات استراتيجية كبرى دون حضور غالبية أعضائه؟ هذا التغيب يفرغ الدورة من جوهرها الديمقراطي ويحولها إلى مجرد جلسة “للتصويت الصوري” على قرارات تم اتخاذها مسبقاً، بعيداً عن المناقشة المستفيضة والمساءلة العلنية.

  • إشارة سلبية للناخبين: المشهد الموثق للقاعة الشاغرة يوحي بنوع من اللامبالاة وضعف الاهتمام بقضايا التنمية الجهوية، ويُرسل رسالة سلبية للناخبين حول مدى التزام ممثليهم بمهمة التشريع والتتبع، خاصة في مرحلة حرجة تتطلب تعبئة شاملة لجميع الفاعلين.

  • ضعف الحكامة: هذا النقص في الحضور يُسائل نجاعة ومصداقية مكتب المجلس في حشد الأعضاء وإدارة الدورة، ويزيد من الانتقادات الموجهة لأداء المجالس المنتخبة في التفاعل مع التحديات الآنية للجهة.

إن مدينة فاس وجهتها تعولان على هذه المشاريع التنموية للخروج من عنق الزجاجة، خاصة في قطاعات حيوية كالرياضة والأمن والنقل. لكن تحقيق النجاح لا يتطلب مجرد المصادقة على الاتفاقيات، بل يتطلب حضوراً فعلياً، وتتبعاً دقيقاً، والتزاماً لا يتزعزع من جميع المنتخبين، وهو ما فشلت الدورة الاستثنائية الأخيرة في إثباته.

وكالة تنفيذ المشاريع ( AREP FM): “العلبة السوداء” وتحدي النجاعة

في خضم الحديث عن الإنجازات، تبرز وكالة تنفيذ المشاريع التابعة لمجلس جهة فاس-مكناس ( AREP FM) كـ “العلبة السوداء” التي تستوجب المساءلة العاجلة والعميقة. ففي الوقت الذي تُعلن فيه الوكالة عن إنجازها لأزيد من 126 مشروعاً بكلفة تفوق 800 مليون درهم بين 2021 و 2024، في إطار برامج تقليص الفوارق المجالية، إلا أن العديد من الأصوات داخل المجلس وخارجه تنتقد ضعف معدل الإنجاز الفعلي قياساً بالاتفاقيات الموقعة، ووجود مشاريع متعثرة أو ذات جودة رديئة بعد الإنجاز، خاصة على مستوى مراكز الترفيه و ملاعب القرب و الطرق والمسالك القروية التي تدخل في صميم مهمتها. ويُنتقد المكتب المسير للمجلس لاستخدامه الوكالة كـ”ذراع سياسي” للتوظيف وتجميل الأرقام، مما أدى إلى “تغول” صلاحياتها على حساب اللجان المنتخبة والمقاربة التشاركية. إن المساءلة الحقيقية لآجال الأداء، وطلبات العروض، ونتائج تقارير الافتحاص المالي والمحاسباتي، أصبحت ضرورة قصوى للكشف عن الاختلالات التي قد تعيق التنزيل السليم لبرنامج التنمية الجهوية (PDR)، والتحقق من أن الملايين المصروفة تترجم فعلياً إلى تنمية مستدامة وملموسة على أرض الواقع، بدلاً من أن تتحول إلى إحصائيات على الورق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى